المرأة والرجل .. والواحدية الإنسانية .. مقال لـ ندرة اليازجي 1-2

السكة – محطة المرأة 

الرجل والمرأة

يُعَدُّ هذا الموضوع بحثًا لقضية الكائن الإنساني كما هو موجود على الكرة الأرضية. ولا يتطلَّب بحثُنا هذا طرح الموضوع باعتباره مشكلةً اجتماعية أو إنسانية، لسبب أصيل هو أن المشكلة أمرٌ يستوجب الحلَّ ومعرفة السبب أو الأسباب. لكن بحثنا يطرح ذاته كقضية تستوجب الفهم والوعي والحكمة. إذن، فبحثنا هذا ولوجٌ إلى معرفة حقيقة الإنسان وواقعيته، ودخولٌ إلى سرِّ هذا الكائن من وجهة نظر العلاقة بين قطبيه: الرجل والمرأة.

تطرح القضية ذاتها في مقولتين: الرجل والمرأة. الرجل إنسان، والمرأة إنسان؛ الرجل آدم، والمرأة آدم. فالإنسان يكشف عن علاقته بذاته ولذاته على مستوى كوكبنا هذا في قطبين يعملان على تحقيق غاية. ويعرَّف بالغاية بأنها تحقيق الوجود على كوكب الأرض. ولما كان الوجود في هذا الكوكب يشير إلى ثنائية ظاهرية، فمن المؤكد أن الإنسان ثنائي في واقعه؛ وهذا يعني أنه رجل وامرأة. ولما كانت الظاهرية هي القضية الأساسية التي تطرح ذاتها على مستوى كوكبنا، فالعلاقة التي تقوم بين قطبي هذه الثنائية أو طرفيها سرٌّ من الأسرار يغلِّف حياتَنا كلَّها. والسرُّ، كما يُفهَم في عمقه، يشير إلى وجود حقيقة جوهرية واحدة، تتَّصف بثنائية ظاهرية أو بازدواجية، تُعرَف بقطبين يفعلان معًا من أجل إعادة الوحدة إلى الإنسان ضمن عملية تلاقٍ ندعوها العلاقة بين قطبي الحياة أو الإنسان تارةً، والزواج أو الاقتران تارةً أخرى.

نحاول، في مقالنا هذا، أن نميط اللثام عن حقيقة هذا السرِّ الذي يتصف به الإنسان. وقبل الشروع في الإجابة والتحليل، نتساءل عن ثنائية الإنسان وازدواجيته وقطبيه. فلِمَ لا يكون الإنسان واحدًا؟

تشير إجابتنا إلى أن الإنسان واحد، وإلى أن الرجل والمرأة قطبا هذه الواحدية؛ الأمر الذي يدفعنا إلى القول بالثنوية، من جهة، وبالواحدية، من جهة أخرى. وتشير إجابتنا أيضًا إلى أن السرَّ يكمن في واحدية الإنسان، لا في ثنائيته. هنالك حقيقة تؤكد واحدية الإنسان، وهنالك واقعية تؤكد ثنائيته. وهكذا، نصل إلى ما يلي: يشير باطن الإنسان وحقيقته إلى أنه واحد؛ ويشير ظاهر الإنسان وواقعه إلى أنه اثنان. وهذا ليس إلا لأن كوكبنا يستوجب الثنائية في سبيل تحقيق الوحدة.

بهذه الطريقة يتم ولوجنا إلى عمق الموضوع.

يقتضي البحث، ونحن نقوم بعملية الإفصاح عن الحقيقة المختبئة في عمق كيان الإنسان، أن نتطرق إلى موضوع نقلي طُرِحَ علينا منذ طفولتنا على صورة حقيقة، وتغلغل في لاوعينا لقرون طويلة. ولا شكَّ أن هذا الموضوع خلَّف في لاوعينا الجمعي الذي تكدَّس عبر العصور سوء فهم لواحدية الإنسان، وأوقَعَنا في شرورٍ عديدة نتجت عن سوء الفهم هذا، أقل ما يقال عنها إنها كرَّست مبدأ الثنائية الظاهرية وأحلَّتْه محلَّ الواحدية.

تُحدِّثنا الأسطورة النقلية التي لُقِنَّا إياها منذ طفولتنا عن بشرية بدأت بكائن أسمى سُمِّيَ بآدم، عرَّفتْ به المبادئ النقلية الشائعة بالذكورة. وتضيف هذه الأسطورة النقلية أن كائنًا آخر، هو المرأة–حواء، تشكَّل من جسد هذا الكائن الأسبق، الرجل. وعملت الأسطورة على إطلاق اسم على ذينك الكائنين، فكان أحدهما آدم والآخر حواء.

هذا ما كان في البدء – بدء الجنس البشري. فهل أن الأسطورة المطروحة على هذه الصورة تنطوي على الحق، أم يجوز لنا أن نعتبرها مجرد تشويه للحقيقة؟

تشير الدراسات المقارنة التي قام بها علماءٌ ومفكرون خلال العصر الحديث، بوجه عام، والدراسات الثيوصوفية والباطنية، بوجه خاص، إلى أن الميثولوجيا تنطوي على رمزية تتطلَّب التفسير والتأويل. وإذا كانت هذه الدراسات عميقة في طرحها لأيِّ موضوع، فجدير بنا أن نتساءل عن الرمز الكامن في هذه السرَّانية وعن حقيقة تفسيرها وتأويلها.

تؤكد هذه الدراسات، علمية كانت أم فكرية، أن كلمة “آدم” لا تعني رجلاً واحدًا، وأن كلمة “حواء” لا تعني امرأة واحدة. فآدم، وفق معطيات هذه الدراسات، لم يكن رجلاً. والبرهان الذي نعتمده هنا هو أن المرأة لا تنبثق من رجل؛ وبالتالي، لو كان آدم رجلاً، لانبثق منه رجل، لا امرأة. ولقد خلصت هذه الدراسات إلى القول إن كلمة “آدم” تعني الجنس البشري كلَّه، الجنس البشري بأنواعه، وفقًا لمستواه الكوكبي الأرضي. وتؤكد هذه الدراسات أن مصطلح آدم قدمون (“آدم القديم”) الوارد في الكتابات الباطنية القديمة (القبالة تحديدًا) يعني الجنس البشري. وتشدِّد هذه الدراسات على أن إطلاق صفة “الآدمية” على حواء دليل على أن كلمة “آدم” تشير إلى الإنسان، في جنسه كلِّه. والواقع هو أن هذه الصفة تعبِّر عن إنسانية المرأة، كما تعبِّر عن إنسانية الرجل، وعن “آدمية” المرأة كما تعبِّر عن آدمية الرجل.

وتصرِّح هذه الدراسات أن آدم – الجنس البشري – في بدء دورنا الأرضي هذا، الذي لم يكن رجلاً، كان وحيد الجنس androgynous. وتعلن تلك الدراسات الأسطورية أن الجنس البشري، وحيد الجنس، قد انقسم إلى قسمين، فكان الرجل وكان المرأة. ولما كان مبدأ الثنائية الظاهرية هو المبدأ السائد على هذا الكوكب الذي نحيا عليه، كان واجبًا أن ينقسم الكائن أو يتمايز، في وحدة جنسه، إلى قسمين.

ذلكم هو السر الذي وُجِدَ في البدء، بدء الجنس البشري. وتلكم هي حقيقة واحدية الإنسان الجوهرية التي تحولت أو تمايزت، وفقًا لمنطق طبيعة هذا العالم وضرورته، إلى ثنائية ظاهرية ملحوظة، تتمثل بواقع الرجل والمرأة، قطبي الإنسان.

وإذا ما تساءل سائلٌ عن الطريقة التي تمَّ بها التمايز، وطالب بالبرهان العلمي الذي يؤكد هذه الحقيقة والواقع، قلنا إن إجابتنا تدور حول مركزين نعتبرهما برهانين: البرهان الأول طبيعي وواقعي، نشاهده أمامنا؛ والبرهان الثاني علمي، كشف عنه علماء البيولوجيا.

في البرهان الأول نجد الخنثى hermaphrodite. فالخنثى كائن بشري ليس ذكرًا وليس أنثى؛ هو كائن لم يتمايز الجنسُ الواحد فيه تمايزًا كاملاً. والخنثى واقعٌ نعاينه، ويتأكَّد في واقعيته العلمية والطبيعية الملموسة.

كيف نعلِّل هذه الظاهرة؟

الطبيعة لا تعرف الشذوذ والفوضى والمصادفة. كلُّ شيء في الطبيعة يعرف النظام، ويتصرف أو يسلك وفقًا لهذا النظام. ولقد كشفت البيولوجيا، ولاسيما علم الوراثة، عن وجود قوانين تُعتبَر، في حال عدم إدراكها، أمورًا محيِّرة ومذهلة. ولما كانت الطبيعة تكشف عن ذاتها من خلال ظاهرات يسبر الإنسان عمق حقيقتها، فإن الإنسان يعمل جاهدًا لتبيان هذه الحقيقة. ولما كانت قوانين الطبيعة عميقة في سرِّها ومستترة ومعقدة، فإن بعضها يتَّسم بصعوبة أكبر من بعضها الآخر. والطبيعة تلمِّح إلى الحقيقة المكنونة في صدرها. وعلى هذا الأساس، لا تكون ظاهرة الخنثى شذوذًا، بل حقيقةٌ تدل على سرِّ ما اختبأ في جوهر الوجود. وقد استطاعت الدراسات الثيوصوفية والبيولوجية الحديثة إظهار واقع هذا السرِّ، مؤكدةً وجود كائن أوليٍّ لم يكن ذكرًا ولا أنثى. لقد تمايَز ذلك الكائن، وحيد الجنس، وفق مبدأ الطبيعة الأرضية، إلى ذكر وأنثى. تمَّ هذا الواقع لأن استمرارية الكائن البشري تقوم على الثنائية.

يتمثل البرهان الثاني في الخلية الإنسانية. والحق أن هذه الخلية لا تكون، في بدء تكوينها، ذكرًا أو أنثى. إنها واحدية الجنس. ولكنها تتمايز إلى ذكر أو أنثى وفقًا للوظيفة التي ستقوم بها. فالخلية الإنسانية المكوَّنة عودة إلى الكائن الأول البدئي أو إلى الخلية الأولى قبل مرحلة تمايُزها. فهي تمثِّل له خير تمثيل. ولما كانت عملية التكوين والتكون في رحم الأم خلال أشهر تسعة تمثل آلاف آلاف السنين التي قضتْها الطبيعة لكي تنتقل من الخلية الواحدة إلى الإنسان – الذكر والأنثى، – فإن عملية التكون هذه في رحم المرأة تشير إلى هذه الحقيقة. ولما كانت الخلية الأولى الوحيدة، قبل تمايزها إلى أنواع عديدة، لا تعرف الثنائية، فإن الخلية الإنسانية، في رحم المرأة، لا تعرف التمايز والثنائية قبل التلقيح. ولهذا، تكون هذه الخلية واحدة، واحدية، لا تعرف الانقسام. وهذا هو سرُّ عودة الإنسان إلى الواحدية في الخلية. لكنها تخضع للانقسام، وفقًا لمفهوم الطبيعة الأرضية، إلى ذكر وأنثى، بحسب وظيفة كلٍّ منهما، لكي يستمر الوجود على الأرض.

هنالك برهان ثالث لا يعتمد الواقعية العلمية في حرفيتها، بل يعتمد الوظيفة الإنسانية في كلا القطبين.

لن يكون بمستطاعنا أن نحدِّد هذه الوظيفة إلا من خلال قضية إنسانية، هي اجتماعية وسياسية وبيولوجية. وتدور هذه القضية حول مركزية المساواة بين الرجل والمرأة. فهل يتساوى قطبا الإنسان، أم أن أحدهما يرجح على الآخر؟ الجواب صريح وواضح. فإن كان الرجل والمرأة قطبي الحياة والإنسان، كانت المساواة تامةً بينهما. لكن تساؤلنا يطرح ذاته على الصورة التالية: كيف تكون هذه المساواة؟

لا تكون مساواة الرجل بالمرأة، أو المرأة بالرجل، مساواةً في الكمِّ. فهذه المساواة الكمِّية ذاتها لا تتم حتى بين الرجل والرجل أو بين المرأة والمرأة. لكن المساواة تتحقق في الكيف. والكيف، في مقولتنا هذه، يشير إلى الوظيفة التي يقوم بها كلُّ قطب. ولما كانت كلُّ وظيفة على حدة لا تكتمل من دون الأخرى، فإن الوظيفتين تتساويان تمامًا. فليس فخرًا للرجل أن يقول إنه أتى أولاً وتقدَّم على المرأة زمنيًّا، ذلك لأن “أسبقية” الرجل على المرأة دليلٌ على عدم اكتماله، كما هو دليل على حاجته الماسَّة إلى تحقيق وجوده، وعلى أن المرأة هي التي أكملتْه. ولكي ندفع كلَّ لبس أو كلَّ جدل عقيم، نقول: لم تكن هنالك أسبقية رجل على امرأة، ولا أسبقية امرأة على رجل. فآدم لم يعنِ شيئًا آخر سوى الجنس البشري المتمثل، بعد انقسامه، بالرجل والمرأة. أما قبل انقسامه فكان وحيد الجنس.

يتبع ..

اترك تعليقا