عبدالله شقير يكتب : ذو الوجهين لا يكون عند الله وجيها

السكة – محطة المقالات – كتب عبدالله شقير 

ولما طال العهد بنا في غربلة أصناف الرجال بعد طول مخالطة لهم ، وبعد أن أَفرَغ بين جنباتنا امتدادُ المعاشرة للبشر في السفر والحضر خبرةً تكاد لا تخطئ فإنا قد أمسينا نرى تعدد الوجوه في الوجه الواحد ، وندرك من اصطنع المعروف دون وقوعه حتى غدت بنا بصيرة نافذة في معرفة صنوف الرجال وأشباه الرجال ، ولقد نعلم أنّ ذا الوجهين لن يكون وجيها في الدنيا والآخرة .

وكان مما عهدنا في مطالعاتنا في الكتب أن تَبيّنَ لنا مما أَلِفَه العرب في صفات الرجال أنّ ثمة منهم من تجد الكرامة في وجهه ، فلا يستقبلك إلا بوجهٍ طلق ، ولئن جالسته أسرك بحسن حديثه ، وبالصدق والتلطف في كل ما يقول أدبا ورفعة وكمالا منسجما بما قد عهده العارفون بالتهذيب الذي يغلف أخلاق الكرام .

ومنهم من إذا ما خالطته مرة جلّى عن نفسه أنه نكرة بلا قيمة ، لا يحمل فكرا ولا يستقيم له فَهمٌ ولا يميز الخبيث من الطيب ، ويستميلك الشعور تجاهه أتَمقُتُه أم تجنح له بالشفقة على هوانه في أعين الناس ، فمَثَلُهُ كمثل رجل يُدْنيه الغنى من صديقه إذا ما استغنى ويبعده الفقر إذا ما افتقر، فلا يفخر بنفسه إلا بمال يمتلكه وساعة ثمينة تطوق يده وسيارة فارهة قد ظن أنها تستميل ما في قلوب البشر من محبة ومودة وإخاء في حال ليس يدرك معها أنْ قد خاب ظنه واغتر باعتقاد كاذب .
ولعله مما يغيظ القلب أن يسعى بنا الأصاغر ممن لا وزن لهم ولا قيمة ، فلا يعجبنكم من يصون ثيابه خوف الغبار وخُلُقُه مبذول ، فوالله لَبعضُ الناس أقرب إلى القبر من عفونا عنهم بسِعايتهم التي يسعَون بها في شأننا ، وتكذيبهم لبعض ما يخص الموقع في شأن إدارته المرهونة بنا دون غيرنا ونحن عليه قادرون بخبرة قد استقيناها في عمل طويل دؤوب لم يفتر ولن يفتر . ولقد تجلى لنا أن النصح لا يثمر إن سقناه لمن لا يعقل النصح وليس يرتقي به التعقل إلى منزلة أكبر من تلك المنزلة التي لا تقوده إلا لفهم المسلسلات الكرتونية.. فيحيا يحيا الصديقان بيل وسيباستيان .

ليس ثمة رجل أدنى مكانة من رجل يستلهم القول من أفواه الناس ثم يذيع به مرتضيا لنفسه أن يكون ذيلا ملتحقا بكلاب تنبح ، لا هي تنطق بالحق ولا هو استبان حقيقة ما خالط أُذُنيه من القول ؛ أَصِدْقٌ ما سمعه أم كَذِب . وإنّ مَن ارتضى لنفسه أن يكون ذيلا للرجال فلا طابت رجولته وإنْ تشبب وتأنق وركب سيارة ألمانية فارهة ليستجدي بها اهتمام الناس واحترامهم ، وأنّى له أن يكون بين الناس محترما إلا أن يكون مهملا في النفوس مهانا.

ولقد يبلغ المرء قمة التعقل حينما ينظر في منتهى أمره الذي لا مفر منه ، موت يحصد البَرّ والفاجر والمؤمن والكافر والصحيح والسقيم ، ولقد أعجبني الشاعر القديم حين قال :

أين الوجوه التي كانت منعمةً.. من دونها تُضرب الأستار والكِللُ
فأفصح القبر عنهم حين ساءلهم.. تلك الوجوه عليها الدود يقتتل
قد طالما أكلوا دهرا فما شبعوا.. فأصبحوا بعد طول الأكل قد أُكِلوا

 

2 Comments to “عبدالله شقير يكتب : ذو الوجهين لا يكون عند الله وجيها”

اترك تعليقا