فن توظيف الألم .. في الفيلم التركي “مسلم بابا”

السكة – المحطة الثقافية – محمد خضير/ شاعر وناقد الأردن

khudairart@yahoo.com

ساعتان، واثنتا عشرة دقيقة، وتسع ثوان… وأحسبُ الوقت؛ لأنّ كل ثانية في هذا الزمن السينمائي، هي محطة وجع مكتملة الدموع، نشتبك فيها مع الأحداث الحقيقية لحياة الفنّان التركي مسلم بابا”،الذي لم يحصد من حقل الحياة الواسع غير فكرة الضياع الضيّقة.

 

 

منظر عام للمدينة، يستهل به المخرججان أولكاي فيلمه، قبل أن ينتقل بالكاميرا إلى الشاب “مسلم” الذي يجلس على عتبة المسرح مستعدًّا للغناء… تنقطع الكهرباء، فتنطفئ الأضواء في إشارة إلى حظّه العاثر، ويكأن المخرج يقول لنا: تلك هي حياة مسلم بابا” الذي فتح عينيه الواسعتين متلمّسًا ما حوله وسط عتمة بدّدها جمهوره الذي جلس في انتظاره، لم يثنه الألم الجالس في ذاكرته عن الوقوف فاتحًا ذراعيه لكلِّ هؤلاء، باعثًا بصوته الشجيّ، ليصير بساطًا طائرًا،يحمل عليه الجميع، في نيابة عن حزن كل واحد منهم!

يأبى الليل أن ينصرف بسلام… ينهي “مسلم” حفله الموسيقيّ، وفي أثناء عودته، تتعرض سيارته المرسيدس الحمراء لحادث مروّع، توفي السائق “فرحات” على إثره، وتعرّض هو لجروح خطيرة شقَّت له من الموت شارعًا إلى حياة جديدة.

 

 

حادث السيارة الرهيب، والغيبوبة، حملتا مسلم” إلى حفنة التراب الأولى، ووجع البدايات، فراحَ المخرج يتجوّل داخل ذاكرة مسلم،ليعرض لنا كل ما مرَّ به… لقد تحسّسنا بأطراف أصابعنا؛ جلدَأكتافنا ونحن نتلقّى معه لكمات ولسعات حزام والده المخمور، وتبعناخط الدّم المنساب من رأس الفنّان الشاب، ليقودنا إلى أثر الطفلالمبذور في حقول من الأخضر الأناضولي المزروعة بلهاثه، والمحروثة بقدميه المتعبتين؛ حصادها حفنة من تراب، هي كلَّ ما جناه حين وقف بين يدي والده: “يا أبتِ، قلب أمّي يحترق فوق قبر أخي الصغير،فأغثها“، لكن الأب فتح كفّي “مسلم” الصغير ليقيم شاهد قبر أخيه،بعد أن ملأهما بالتراب، كأنما يقول له “اغرب عن عمري، وتدبّر مع أمّك أمر الحزن الذي تسببتُ لكما به، فكانت برقية ظالمة تخبرنا أي نوع من الآباء كان أبوه.

من اللافت جدًا في هذه الملحمة السيرويّة، أنّ الشبه بين الشخصيات التي لعبت دور مسلم، تطابقت مع ملامح مسلم الحقيقي، الطفل، ثم الصبي، إلى أن اكتملت صورة الرجل الناضج، لذا، لم يُشعرنا من قام بتنفيذ هذا العمل؛ من دخول غرباء إلى شخصية الحكاية، ومن المفارقات أيضًا، وإن كانت حقيقية في شخص مسلم الحقيقي، فهي من أشد الطباع جمالًا، حيث نجد استقباله للألم؛ استقبال المتمكن من الصبر، المحترف بإخفاء شكواه، ليبعث الفرح في قلوب الآخرين، وبشكل خاص؛ قلب أمّه التي لم تكن أقل صبرًا منه واحتمالًا.

 

 

سبع سنوات اقتُطعت من زمن شاشة العرض، عندما انتقل بنا الفيلم، من مشهد طفولة مسلم، إلى رحلة صباه، فالمخرج لا يريد تكرار صورة العذاب اليومي، ربما لشدة تشابه الأيام! اختزال الزمن، لم يخفف وطأة الألم، بل كثفها… ففي عيون مسلم وأمّه وأخيه، نظرات توشك أن تحوّل جفونهم إلى يد تقلّب روزنامة عرضتها حدقات خائفة، تفتش فيمن حولها، وفيما حولها، عن هدنة مع الحزن، حتى ولو ليوم واحد، حين يظهر مسلم الصبيّ راكضًا، هاربًا من سوط لسان والده الذي يفتش عنه بين الباعة في السوق، يناديه: “مسلم أيها البرغوث“، كأنما يجرّده من إنسانيته! وكان كلما جفَل الحمامُ وطار؛علمنا بأنَّ مسلم” يقبع تحت سياط والده لكنه ينجو لبرهة، حين تقوده قدماه إلى مستقبله دون أن يعلم، فيدخل مستجيرًا إلى قاعة معهد تعليم الموسيقى، هناك يلتقي للمرّة الأولى بمعلمه “علي ليمونجو”، وهو مَن انتبه لصوت مسلم الذي اعتقد بأنَّ شدّة الفوضى في رأسه؛ مصدرها صوت ناياتٍ زرعها الوجع المبحوح داخل حنجرته... ليبتدأ المشوار مع الرجل المكنّى ببائع الليمون.

 

 

 

ما أدفأ البوظة التي لا تذوب! لكن لا شيء يسيل غير لعابيّ مسلموشقيقه الأصغر أحمد، فالجزء المثلج مجرّد خيال لم يطأ كأس البسكويت المعدّ لحمله، غير أن الفقر لم يسمح لهما بشراء قرطوس البسكويت إلا فارغًا، ليضع الخيال نكهة البندق المشتهاة، وكثيرًا ما تحوّل القرطوس إلى ناظور مثقوب من الأسفل، أملًا بعبور حلم فاقَ خيال صبيّ هاجر برفقة عائلته إلى مدينة أضنة التي أنهى فيها دراسته الابتدائية، قبل أن يتركها لاحقًا.

يبدأ العمل كخياط وإسكافي، ليعيل العائلة والأب المخمور الذي أمسى عالة عليهاالأم “أمينة” تغسل شراشف الحيّ كي ينجو أبناءها من سياط الأب الذي يطلب المال من أجل شراء مزاجه الثمل.

يتردّد مسلم ما بين شقاء العمل ومتعة الروح، لقد سانده “علي ليمونجو” حين علّمه أصول الغناء، فصار يغني في مقاهي الشايلمحبّي الفن الشعبي، ليقف لاحقًا برفقة معلّمه على خشبة مسرح القرية الفقير في العام 1965، إنها المرّة الأولى التي يقف فيهامسلم أمام صوته، وهي المرّة الأولى التي يقف فيها أمام قلبه، حين شاهد على الشاشة؛ المرأة التي حلم بها، فنَما في قلبه أول حلم…إنها الجميلة “محترم نور”، لينطلق بعدها إلى محطة راديوتشكوراوفا”،  وهو لم يتجاوز الرابعة عشر من عمره، ليتوالى حلم آخر، حين تجوّل الصوت في شوارع “أضنة”، معلنًا عن جائزة الميكرفون الذهبي التي نظمت في العام 1967، وجائزتها تسجيل ألبوم بصوت الفائز.

وعلى الرغم من محاولة والده “محمد أكباش” جزَّ هذا الحلم، حين قصَّ له شعره، غير أن كلمة معلّمه: “لا أحد يستطيع أن يسكتك، صوتك لن يختفي إلا إذا قرّرت أنت ذلك“، جعلته يمضي قُدمًا، فكان له الفوز والألبوم.

لقد انتصرت أول الأحلام على رؤيا كانت تلصق الأمنيات بأضغاثها…القطُّ الذي أجهز على عشّ الحمام فوق سطح الدار، لم يخشَ أحدًا، لأنّ صاحب الدار كان منشغلًا بغرس سكينهِ في صدر زوجته أمينةالتي كانت الأمينة الوحيدة على حياة طفليها الذكور، وحياة مولودة لم تغنم من العمر غير بداياته، حصيلة هذا العمر القصير؛ صورة وحيدة جمعتها مع أمّها وشقيقيها، قبل أن يقتلها الأب العاق حين قتل أمينة التي صرخت: “اهربا، اهربا، أنقذ أخاك يا مسلم”، كانت تلك آخر كلمات الأمّ، ليتفرّق بعدها الصحب، فتشيّع الطريق أمينة وطفلتها إلى الموت، وتشيّع مسلم وأحمد إلى المجهول.

لا ملاذ للقهر والألم سوى الصدور الصغيرة، يلوذ أحمد الصغير إلى حضن “مسلم” مستنجدًا من الخوف، وكأنّ الخوف وعاء لكل مفردات الوجع غداة علِق نداء أخيه في عقله: “أنا خائف يا مسلم”. 

 

 

 

يرحل الصغيران إلى حضن الخال في “قونيا، هناك يدفع مسلمبأخيه “أحمد ليكمل ما لم يستطع هو فعله… على مقاعد الدراسةيقضي أحمد الوقت الذي يقضيه، بينما يستأذن مسلم معلّمهللغناء في الحانات، يوصيه -وهو يأذن له- بأنْ لا يضيع… يكبر “مسلم” في عدسات المخرجيْن، فنراه رجلًا يتلوى على وقع ألم الموسيقى، ويترنّح في قبضة العرَق، ثملًا… حتى تستقيم حوله الدنيا، ويكبر اسمه بعد أول أسطوانة حملت اسمه الفني الجديد مسلم جورسيس“.

صار مسلم أبًا لـ “أحمد، بل صار أبًا لكل جمهوره، ولكل من عشق صوته، وأمسى فتنة لكل مَن تورّط بسماعه ولو لمرة واحدةحتى أدمنه الناس.

وكما أنَّ الصدى ذاكرة الصوت؛ فإن الرائحة ذاكرة المشاعر، لقد حمل الأخوان مسلم وأحمد” رائحة أمّهما “أمينة في نعش الذاكرة، وكانت كلما هبّت رائحة الشراشف البيضاء فوق حبال الغسيل، يطلُّوجه “أمينة، التي غسلتها بالأجرة كي تعيل أطفالها وتغلق فم زوجها الثمل… لقد انسكب  عرَقُ جبينها في زجاجة أحكم الزوج العاققبضته عليها، فتراه يتّقد شرًا وغضبًا، سواء في ثمالته أو في صحوه،لذلك لم تُدفن الأمّ المقتولة؛ إلا في التراب، لأنَّ نعشها كان يجوب الأحياء والمسارح، حيث وصلت أقدام ولديها.

بطاقة صغيرة عُلّقت بإبهام قدم “مسلم”، معلنة موته، كان هذا أمامثلاجة الموتى تمامًا، ولو لم يتحرك أصبع قدمه المكشوف، لقضى بردًا…يعود بنا مخرج العمل إلى الواقع، فكل ما مرَّ من أحداث، كانت تدور كدواليب العربة المقلوبة، استعرض المخرج حياة “مسلم” في لحظاتموت، كأنه يضرب على صدره كي يستيقظ، فراح يشي بكلِّ ذكرى قد تفلح في انعاش قلبه، وإحياء صوته، وإعادته لمحبيه، فالحب أن يبقيكَأحدهم على قيد الحياة في لحظة موت.

رجع قلب “مسلم” إلى خفقانه، لكن صوته توقف، ولم يعد قادرًا على السمع بأذنه اليسرى، وما عاد قادرًا على الغناء، هذا ما أخبره به الطبيب! ويل للضجيج حين يستفرد برأس مثقلة بالوجع، لقد أفلت منه النسيان، واشتعلت فرصة الاستماع للأصوات داخل رأسه يخرج والده من السجن بعد أن دفعَ ثمن جريمته البشعة ليجلس على عتبات بيت “مسلم” الذي غدا مأواه الأخير… وتبقى المفارقة أن الوالد العاق، حتى وإن حاول الاعتذار فلن يتمكن مسلم من سماعه، لكنه ترك له باب البيت مواربًا بعد أن لفظته شوارع تاهت فيها أقدام صغيريه طويلًا، وحين استقرت أقدامهما، وعوضًا عن متابعة ندمه وضمّ ابنيه إلى صدره وشى بولده “أحمد، فصوّب بهذه الوشاية بنادق الدرَك إلى صدر ابنه الفار منهم، فأردوه قتيلًا، ليصير مجددًا جثة هامدة في عقل مسلم“.

إنها “إسطنبول، و”مسلم” الآن صار ممثلًا، لكنه أصابه الصمتأمام السؤال: “كيف أوفي لك حقك؟”، هي جملة يطرحها على أخ له في فيلم “المتمرّد“، تخرجه نظرة الحسرة من النص، بل من المشهد، ليغادر غرفة التصوير وهو يتحسّس جسده، ربما كانت المرّة الأولى التي يتعرض فيها لسؤال بهذا الحجم! فكيف يوفي حق من نسيواأنفسهم لأجله؟ لقد تجسّد أحمد في هذا الشاب الذي أخذ دوره، لكن أحمد مات؛ قتله أبوه ببندقية الدرَك، ليفتح بذلك فوهة جديدة في روح مسلم الذي ابتدأ التمثيل بفيلم “العاصي/إحياتنكار” عام 1979، لتتوالى أفلامه التي فاقت 35 فيلمًا.

لم تساعده “إسطنبول” العصرية على نسيان ما حلَّ به، هناك قدّم قربان الحبِّ عندما غنّى “العيون الغامضة” لمعشوقته “محترم نور” التي تكبرهُ بعشرين عامًا، قبل أن يقلّدها عقدًا من الذهب، قائلًا: كان هذا لأمّي، إنه أثمن ما يملك، أو لعلّه كل ما يملك، رغم امتلاكه للكثير!

تزوج مسلم من حبيبته الوحيدة، كانت السيدة كبيرة على الإنجاب،إلّا أنّ خوفه من أن يكون فيه شيئ من الشبه مع أبيه، منعه من مجرد التفكير في الإنجاب، واكتفى بشرف الاسم مسلم بابا”، كان أبًالكل فرد من جمهوره، وأبًا لكل شاب عاشق لصوته.

الصوت الذي عاش مقموعًا، عشقه الملايين من (المسلميّون) الذينتولّدت عندهم طقوس ارتبطت بصوت مسلم بابا”، لقد اعتبروه رسول الألم، ووسيلتهم إلى التعبير عن آلام الظلم والقهر كان عشاقهيلسعون أنفسهم بالشفرات لتسيل دماؤهم على وقع صوته، ولطالماحاول منعهم، لكن دون جدوى! إلى أن كان يوم حديقة جولهان/إسطنبول، 1989، وعلى أعين 60 ألف مشاهدصعد مسلم بابا”مرتديًا بدلته البيضاء، فقفز إليه أحد محبّيه وطعنه بسكينه، مسلم” الذي تعافى من الحادثه؛ عفا عن الشاب، عندما أدرك بأنَّ من الحبِّ ما قتل!

في آخر مشاهد الفيلم، يعود “مسلم” لرؤية والده الذي أمضى عشرين عامًا في السجن قبل أن يخرج ويستقر في مدينة أورفهوعلى نفقة ابنه، هناك كان على مسلم أن يذيق والده ولو جرعةواحدة من سمٍّ جرّعه إياه طوال عمره، حين اعترف لـ “مسلم بأنّه تسبّب بمقتل أخيه “أحمد، فاكتفى “مسلم” بحفنة من التراب،وضعها في كفِّ والده “محمد أكباش”، الذي ترك ضحاياه دون قبور، لقد سجّاهم مسلم أسفل حفنة التراب... وغادر.

ينتهي الفيلم قبل النهاية، بعودة زوجته ومعشوقته محترم“، التي تطلب منه، إن ماتت قبله أن يعتني بنفسه، فيقول: لا موت قبلي يا محترم، لقد فاض قلب ذلك المسكين بمساكن الموتى في عقله.

يضيف: “يا سيدة محترم، البعض يكبر في الجنة، والبعض يكبر في الجحيم… مثلي أنا”.

على المسرح، يكتب المخرج على شاشة العرض: هو لم يصبح أبًا، كان يخشى أن يكون مثل أبيه، بدت الكلمات وكأنّها تُكتب على ظهر مسلم وهو يتوجه نحو المسرح.

الخلاصة

فيلم “مسلم بابا” جسّد قصة حياة الفنّان التركي صاحب الموسيقى الشعبية مسلم أكباش، الشهير بـ “مسلم جورسيس” أي صاحب الصوت الجهوري… مسلم بابا، مسلم جورسيس، مسلم أكباش، جميعها تروي الحكاية ذاتها، هذا الفنّان صاحب القلب المذبوح، يشدو كلما حزَّ قلبه ألم جديد، كما أنّ حزنه المعتق منذ حفنة التراب الأولى؛صوّر لنا بأنّ كفّيه الصغيرتان صارتا مدفنًا منذ صغرهما… وربما منذ مولده في مدينة شانلي أورفة في العام 1953، لعائلة مكونة من والده محمد أكباش ووالدته أمينة أكباش وأخويه أحمد وأحمد وأخته “زينو”.

منذ بداية عرضه في شهر أكتوبر من العام 2018، حقّق الفيلم نجاحات كبيرة على مستوى المشاهدة والإيرادات، وقد بلغت إيراداته أكثر من 80 مليون ليرة تركية، في حين شاهده ما يقرب من 6.5 مليون مشاهد، الفيلم من إنتاج شركة دجتل صناتلار المنتجة لفيلم “أيلا” الحائز على لقب أفضل فيلم باللغة الأجنبية في الأوسكار، وهو من إخراج جان أولكاي مخرج فيلم أيلا بالاشتراك مع هاكان كيركافاش، وسيناريو هاكان جونداي وجورهان أوزتشفتجي، وشارك في بطولة الفيلم شاهين كينديرجي الذي لعب دور مسلم جورسيس الفتى، وتيموتشن إيسان الذي لعب دور مسلم جورسيس البالغ كما قام بدور رئيس في الموسيقى التصويرية الخاصة بالفليم حيث غنى 14 أغنية لمسلم جورسيس، (خلال العمل على الفيلم، اضطر إيسان للسفر إلى الولايات المتحدة، حيث تدرّب وعمل مع فنانين عالميين).

شارك في البطولة عدد من الأسماء الكبيرة كأركان جان بدور المعلم علي ليمونجو، زيرين تكيندور بدو محترم نور، بالإضافة إلى الممثل تورجت تونتشالب في دور محمد أكباش والد مسلم جورسيس وغيرهم من نجوم السينما التركية.

الحقبة التي لمع فيها شخص مسلم وصوته، كانت حقبة الطبقات السحيقة التي أعيتها أزمات البلاد الاقتصادية اللامتناهية، حيث حكمت البلاد بسلاح العصر، وغابت الديمقراطية التي قد تبشر بالإصلاح، لذا صار صوت “مسلم بابا” الحزين، مثابة الرسول لكل هؤلاء المقهورين، المقموعين.

مات مسلم جورسيس”، في الثالث من مارس/آذار 2013، بعد أربعة شهور أمضاها في العناية الشديدة، شيّع ودفن لاحقًا في مقبرة زنجيرليكوي بمدينة إسطنبول، وقد أعلن محبّوه يوم ميلاده 7 من مايو كيوم عالمي للـ “مسلميين.

الإخراج

لقد تمكن المخرججان أولكاي، من توظيف الآلام المتوالية على شخصية “مسلم”، وإظهارها في قالب درامي، مستعينًا بأدواته السينمائية باحتراف لافت، كما استطاع عبر تقنية تحريك الكاميرا من زوايا عديدة أن يحوّل السيناريو إلى ” قصة تُروى بالصور”، فهو لم يعتمد زاوية محدّدة لكل لقطة، بل توسّع في استخدام كل الزوايا المحتملة للعدسة، الأمر الذي أعطى اللقطة لغة بصرية واقعية واسعة.

كما أنه أبدع في توظيف الإضاءة التي فتحت أمام الأداء مجال التعبير في فضائيّ النور والظل، وهي تقنية إخراجية حاذقة، جعلت الكثير من مشاهد الفيلم أقرب إلى لوحات تنتمي للفن التشكيليّ.

مصادر:

فيلم “مسلم بابا” للمخرج التركي”جان أولكاي.

اترك تعليقا