السكة – صحة وجمال
كشفت دراسة جديدة عن صلة محتملة بين مرض ألزهايمر وعدد من الجينات المرتبطة بجهاز المناعة، في نتيجة قد تساعد العلماء على فهم أعمق لأسباب المرض الذي يصيب الذاكرة والقدرات العقلية مع التقدم في العمر.
واعتمدت الدراسة المنشورة في دورية Science Transitional Medicine على تحليل البروتينات الموجودة في بلازما الدم، وليس على الجينات فقط. ووجد الباحثون أن بعض الجينات قد تؤثر في خطر الإصابة بألزهايمر من خلال تغيير مستويات بروتينات معينة في الجسم.
ويعد ألزهايمر أكثر أنواع الخرف شيوعاً، إذ يؤدي تدريجياً إلى ضعف الذاكرة وصعوبة التفكير واتخاذ القرار، وقد يؤثر لاحقاً في قدرة المريض على أداء أنشطته اليومية. ورغم عقود من البحث، لا تزال أسبابه الدقيقة غير مفهومة بالكامل.
وكانت الأبحاث السابقة تركز كثيراً على تراكم بروتينات ضارة داخل الدماغ، لكن دراسات حديثة بدأت تشير إلى أن جهاز المناعة قد يكون له دور مهم في ظهور المرض أو تطوره.
وفي الدراسة الجديدة، حلل الباحثون بيانات من مجموعتين من المشاركين؛ الأولى من أصول أوروبية أميركية، والثانية من أصول إفريقية أميركية، بهدف معرفة ما إذا كانت هناك جينات تؤثر في خطر ألزهايمر عبر تأثيرها في كمية بروتينات معينة في الدم.
وفي المجموعة ذات الأصول الأوروبية الأميركية، حدد الباحثون 18 جيناً محتملاً قد تكون مرتبطة بخطر الإصابة بألزهايمر، من بينها أربعة جينات لم ترصد في دراسات سابقة. أما في المجموعة ذات الأصول الإفريقية الأميركية، فقد حددت الدراسة جيناً واحداً مرتبطاً ببروتين معروف باسم “أيه بي أو إي”، وهو من أشهر البروتينات المرتبطة بخطر ألزهايمر.
وقال الباحثون إن ظهور عدد أقل من الجينات في المجموعة الإفريقية الأميركية لا يعني بالضرورة أن المرض مختلف تماماً في هذه المجموعة، بل قد يرجع إلى أن البيانات المتاحة عنها كانت أصغر، ما يقلل قدرة التحليل الإحصائي على اكتشاف روابط جديدة.
وتسلط هذه النقطة الضوء على مشكلة مهمة في الأبحاث الطبية، وهي أن بعض الفئات السكانية، ومنها الأميركيون من أصول إفريقية، لا تزال أقل تمثيلاً في قواعد البيانات الجينية والطبية. ويقول العلماء إن زيادة التنوع في الدراسات ضرورية لفهم المرض لدى جميع السكان، وليس لدى مجموعة واحدة فقط.
ومن أبرز ما كشفت عنه الدراسة أن كثيراً من الجينات المرشحة ترتبط بالمناعة، خصوصاً ما يعرف بالمناعة التكيفية، وهي الذراع من جهاز المناعة التي تتعلم التعرف على الأجسام الغريبة وتبني ذاكرة ضدها، مثلما يحدث بعد العدوى أو التطعيم.
ووجد الباحثون أن بروتينين هما “إل آي إل آر بي 1″ و”إس آي آر بي إيه” أظهرا أقوى ارتباط بالمرض في التحليل. ويرتبط هذان البروتينان بتنظيم نشاط جهاز المناعة ومنع الاستجابات المناعية الزائدة.
وتعني هذه النتائج أن ألزهايمر قد لا يكون مرضاً يحدث داخل الدماغ فقط، بل قد يرتبط أيضاً بإشارات مناعية أوسع في الجسم، وقد يساعد هذا الفهم مستقبلاً في البحث عن طرق جديدة للتشخيص أو العلاج.
لكن الباحثين شددوا على أن الدراسة لا تثبت أن هذه الجينات تسبب ألزهايمر بشكل مباشر، وإنما تكشف عن روابط محتملة تحتاج إلى مزيد من البحث للتأكد منها. وسيحتاج العلماء إلى دراسات أكبر وتجارب معملية لفهم كيف يمكن لهذه الجينات والبروتينات أن تؤثر في الدماغ.
وتكمن أهمية الدراسة في أنها تستخدم طريقة مختلفة للبحث عن أسباب ألزهايمر، فبدلاً من النظر إلى الجينات وحدها، حاول الباحثون ربط الجينات بالبروتينات، وهي الجزيئات التي تنفذ كثيراً من وظائف الجسم، بما قد يقدم صورة أقرب لما يحدث فعلياً داخل الجسم مقارنة بالجينات وحدها.
وقال الباحثون إن هذه الطريقة قد تساعد في تضييق دائرة البحث عن الأسباب الحقيقية للمرض. فإذا كان جين معين يغير مستوى بروتين معين، وكان هذا البروتين مرتبطاً بألزهايمر، فقد يصبح هذا البروتين هدفاً مهماً لدراسات مستقبلية.
ولا تعني النتائج الحالية أن هناك اختباراً جديداً جاهزاً لتشخيص ألزهايمر، أو علاجاً جديداً متاحاً للمرضى، لكنها تقدم خريطة جديدة للباحثين، وتضيف دليلاً آخر على أن المناعة قد تكون جزءاً أساسياً من قصة ألزهايمر.
وتأتي الدراسة في وقت يسعى فيه العلماء إلى البحث عن أهداف علاجية جديدة للمرض، إلى جانب العلاجات التي تركز على بروتين الأميلويد في الدماغ. فحتى الآن، لا توجد أدوية تشفي ألزهايمر تماماً، كما أن العلاجات المتاحة قد تساعد فقط في إبطاء تدهور المرض لدى بعض المرضى.
ويرى الباحثون أن فهم دور المناعة قد يفتح الباب أمام طرق مختلفة للتعامل مع المرض في المستقبل، فقد يكون بعض المرضى أكثر تأثراً بمسارات مناعية معينة، بينما يتأثر آخرون بعوامل أخرى مثل تراكم البروتينات أو مشاكل الأوعية الدموية أو الالتهاب المزمن.
وتشير الدراسة إلى أن ألزهايمر مرض معقد لا يمكن تفسيره بعامل واحد فقط، فهو على الأرجح نتيجة تداخل عوامل وراثية ومناعية وبيئية وعمرية، وكلما فهم العلماء هذه العوامل بصورة أفضل، زادت فرص تطوير وسائل أدق للتشخيص والوقاية والعلاج.
وقال الباحثون إن النتائج تمثل خطوة إضافية في طريق طويل، لكنها توفر قاعدة بيانات مهمة يمكن أن تساعد في دراسات لاحقة، وقد يكون أهم ما تقدمه الدراسة هو فتح مسار جديد لفهم كيف تتحول بعض التغيرات الجينية والبروتينية إلى خطر أكبر للإصابة بألزهايمر.

