السكة – المحطة الأخيرة
في تطور جديد لقضية وُصفت بأنها واحدة من أكبر السرقات الفنية في تاريخ فرنسا الحديث كسر المتهمان الرئيسيان في سرقة مجوهرات التاج الفرنسي من متحف اللوفر صمتهما بعد نحو 9 أشهر من التزامهما الصمت أمام قضاة التحقيق.
وقدم المتهمان رواية تفصيلية غير مسبوقة تناولت كيفية تنفيذ العملية التي هزت الأوساط الأمنية والثقافية في أكتوبر/تشرين الأول 2025 ووصفت بسرقة القرن.
وكشفت الاعترافات تفاصيل دقيقة حول التخطيط والتنفيذ، إلى جانب ظهور فرضية وجود “عقل مدبر” مجهول يقف خلف العملية في وقت لا يزال فيه مصير المجوهرات التاريخية التي تُقدر قيمتها المالية بنحو 88 مليون يورو مجهولًا حتى الآن.
من هما المتهمان؟
وبحسب ما نقلت صحيفة “لوموند” عن محاضر التحقيق فإن المتهمين وهما (عبد الله ن. 40 عامًا) ويعمل سائق أجرة غير مرخص ويوتيوبر سابق اشتهر بمقاطع استعراض الدراجات النارية و (غلام الله أ. 36 عامًا) وهو عاطل عن العمل من أصول جزائرية اعترفا للمرة الأولى بمشاركتهما المباشرة في عملية السطو التي استهدفت معرض “غاليري دابولون” داخل متحف اللوفر حيث تُعرض أبرز مقتنيات التاج الفرنسي.
وأوضح (عبد الله ن.) أنه جرى تجنيده قبل يومين أو ثلاثة فقط من تنفيذ العملية مقابل مبلغ يتراوح بين 15 و20 ألف يورو، مع وعد بالحصول على مكافأة أكبر إذا كانت قيمة المسروقات مرتفعة.
وأكد أن الشخص الذي استقطبه كان يسعى إلى بيع المجوهرات لاحقًا لتحقيق أرباح ضخمة، مشيرًا إلى أن وضعه المالي الصعب كان السبب الرئيسي في موافقته على المشاركة.
أما (غلام الله أ.) فادعى أنه لم يكن يعلم أن الهدف هو متحف اللوفر بل اعتقد أنه سيشارك في سرقة متجر للمجوهرات داخل باريس، مؤكدًا أنه لو عرف أن العملية تستهدف أشهر متحف في العالم لما وافق على تنفيذها. وقال إنه وُعد بمبلغ يتراوح بين 20 و25 ألف يورو مقابل دوره في العملية.
خطة محكمة بغطاء “أعمال صيانة”
وكشف المتهمان أن فريق التنفيذ اجتمع صباح يوم 19 أكتوبر 2025 في ضاحية أوبيرفيلييه شمال باريس، قبل أن يتوجه على متن شاحنة مزودة برافعة صيانة وبرفقة دراجتين ناريتين إلى متحف اللوفر. وارتدى أحدهما سترة عاكسة للضوء لإيهام المارة ورجال الأمن بأنهم فريق صيانة، بينما استخدمت الرافعة للوصول إلى شرفة المعرض دون إثارة الشبهات.
وبعد الوصول إلى الشرفة، قام المتهمان بتحطيم نافذة المعرض والدخول إلى الداخل باستخدام آلة قطع كهربائية، ثم شرعا في كسر واجهتي عرض زجاجيتين تحتويان على المجوهرات الملكية. وقال (عبد الله ن.) إن المكان كان مظلمًا باستثناء إضاءة خزائن العرض، مضيفًا أنه رأى عناصر أمن يتحركون في مكان قريب، لكنه تمكن من إحداث فتحة في الزجاج وسرقة محتويات الخزينة خلال دقائق.
وأضاف أن الخطة كانت تقضي بسرقة أكبر عدد ممكن من القطع خلال أقل من ثلاث دقائق، إلا أن بطء شريكه في استخدام أداة القطع أدى إلى إضاعة وقت ثمين، ما اضطره إلى مساعدته لإنجاز المهمة قبل الفرار.
ثماني قطع تاريخية بقيمة 88 مليون يورو
وأسفرت العملية عن سرقة ثماني قطع تاريخية تضم تيجانًا وقلائد وأقراطًا وبروشًا كانت تعود إلى ملكات وإمبراطورات فرنسا، وتضم أكثر من 8700 حجر كريم من الألماس والياقوت والزمرد، بقيمة مالية تُقدر بنحو 88 مليون يورو، فضلًا عن قيمتها التاريخية التي لا تُقدر بثمن.
وخلال الهروب، سقط تاج الإمبراطورة أوجيني من حقيبة أحد اللصوص بالقرب من المتحف، حيث عثرت عليه الشرطة لاحقًا وهو متضرر بشدة. واعترف عبد الله ن. بأن التاج سقط من حقيبته، معربًا عن ندمه، وقال أمام القضاة إن ما ارتكبوه “خطأ جسيم”، مضيفًا أنه يشعر بالأسف على ما حدث.
تسليم المسروقات إلى “العقل المدبر”
وكشف التحقيق أيضًا أن أفراد المجموعة سكبوا البنزين على شاحنة الرافعة بعد انتهاء العملية بهدف محو الأدلة، مؤكدين أنهم لم يكونوا يعتزمون إحراقها بالكامل، قبل أن يفروا على متن دراجتين ناريتين، ثم يلتقوا بسيارة أخرى استخدمت كوسيلة تمويه لتضليل الشرطة.
وبحسب الاعترافات، تولى عبد الله ن. نقل جميع المجوهرات المسروقة إلى موقف سيارات تحت الأرض في ضاحية أوبيرفيلييه، حيث سلّمها إلى شخص مجهول وصفه بأنه “العقل المدبر” للعملية. وأكد أن هذا الشخص كان غاضبًا لأن المجموعة لم تتمكن من سرقة عدد أكبر من القطع، موضحًا أن أشخاصًا آخرين كانوا ينتظرون خارج الموقف لتولي نقل المجوهرات إلى وجهة مجهولة.
ورفض المتهمان الكشف عن هوية هذا الشخص، مؤكدين أنهما يخشيان تعرض عائلتيهما للانتقام، وقال (غلام الله أ.) إن الأشخاص المتورطين “ليسوا ملائكة”، بينما أوضح عبد الله ن. أنه تلقى أثناء احتجازه رسائل غير مباشرة تطالبه بعدم الإدلاء بأي أسماء.
مصير المجوهرات.. لغز يحيّر المحققين
ورغم هذه الاعترافات، لا يزال المحققون الفرنسيون متحفظين بشأن وجود “العقل المدبر” إذ لم تعثر التحقيقات حتى الآن على أي أدلة رقمية أو اتصالات تثبت وجوده لكنها في الوقت نفسه لم تستبعد هذه الفرضية.
وتتداول أجهزة التحقيق حاليًا سيناريوهين رئيسيين؛ الأول يفترض أن المجوهرات ما زالت مخبأة في منطقة باريس وأن المتهمين المعتقلين وحدهم يعرفون مكانها، أما الثاني فيرجح أن المسروقات سُلِّمت بالفعل إلى وسطاء في يوم السرقة نفسه، قبل تهريبها إلى خارج فرنسا تمهيدًا لبيعها في السوق السوداء.
أسوأ السيناريوهات
يُعد السيناريو الأكثر إثارة للقلق بالنسبة للسلطات الفرنسية هو احتمال تفكيك القطع التاريخية وإعادة صقل أحجارها الكريمة، مثل الألماس والزمرد والياقوت، ثم بيعها بشكل منفصل، وهو ما سيؤدي إلى ضياع جزء مهم من التراث الفرنسي إلى الأبد، حتى لو أمكن تتبع بعض الأحجار لاحقًا.
وفي ختام استجوابه، أكد عبد الله ن. أنه يعترف بمسؤوليته ويتحمل تبعات أفعاله، لكنه قال إن ما جرى للمجوهرات بعد تسليمها يتجاوز معرفته، لتبقى “سرقة القرن” واحدة من أكثر القضايا غموضًا في فرنسا، في انتظار ما سيكشفه سير التحقيقات خلال الأشهر المقبلة.
(إرم نيوز)

