الثلاثاء, أكتوبر 6, 2026

الأكثر

الرئيسيةUncategorizedسمر حمد.. حين يصبح الصوت الفلسطيني هدفًا للاعتقال

سمر حمد.. حين يصبح الصوت الفلسطيني هدفًا للاعتقال

السكة – محطة المقالات – ثامر سباعنة 

في ساعات الفجر، حين تكون البيوت غارقة في هدوء النوم، اقتحمت قوات الاحتلال منزل الناشطة والكاتبة الفلسطينية سمر حمد في حي المصايف بمدينة رام الله، وفتشته قبل أن تعتقلها وتقتادها إلى جهة غير معلومة، فجر الاثنين 5 تشرين الأول/أكتوبر 2026. وجاء الاعتقال ضمن حملة مداهمات واعتقالات طالت مناطق متفرقة من الضفة الغربية، وشملت اعتقال الشاب مجد أبو عجمية أيضًا.

قد يبدو اعتقال سمر حمد، في ظاهره، حادثة جديدة تضاف إلى عشرات أو مئات حوادث الاعتقال التي تشهدها الضفة الغربية، لكن سيرة المعتقلة وطبيعة حضورها العام تجعل من الضروري التوقف أمام هذه الحادثة وطرح سؤال أوسع: لماذا تستهدف قوات الاحتلال الناشطين والشخصيات الفاعلة في المجتمع الفلسطيني؟

من هي سمر حمد؟

تنحدر سمر حمد من قرية عين يبرود في محافظة رام الله والبيرة، وتحمل درجة البكالوريوس في أصول الدين من جامعة القدس، وعملت معلمة في مدرسة النجاح بمدينة رام الله، كما تابعت دراساتها العليا في العلوم الشرعية.

ولم يكن حضورها مقتصرًا على المجال التعليمي؛ فقد عُرفت ناشطة وكاتبة لها حضور في القضايا السياسية والمجتمعية، وبرز اسمها بصورة خاصة خلال ترشحها عن قائمة «القدس موعدنا» للانتخابات التشريعية الفلسطينية التي كان مقررًا إجراؤها عام 2021 قبل تأجيلها.

كما تحدثت حمد في مناسبات عديدة عن قضية الأسرى، وانتقدت الاعتقال الإداري، ودعت المؤسسات الحقوقية والدولية إلى التدخل لحماية المعتقلين، ولا سيما الأسرى المضربين عن الطعام. وامتد خطابها إلى الدفاع عن الحريات العامة ورفض الملاحقات السياسية للنشطاء، بما في ذلك انتقاد الاعتقالات السياسية التي تنفذها الأجهزة الأمنية الفلسطينية.

وفي تصريحات سابقة، تناولت حمد قضايا القدس والمسجد الأقصى والاستيطان والاقتحامات والاعتقالات، كما تحدثت عن الأسرى وضرورة الوقوف إلى جانبهم. وتظهر أرشيفات تصريحاتها أنها كانت حاضرة في النقاش السياسي والمجتمعي الفلسطيني منذ سنوات.

وهنا تكمن أهمية الاعتقال؛ فسمر حمد ليست مجرد اسم أضيف إلى قائمة المعتقلين، وإنما شخصية اعتادت استخدام الكلمة والموقف والحضور العام للتعبير عن قضايا فلسطينية مختلفة.

استهداف الإنسان أم استهداف الصوت؟

لطالما كان الاعتقال أحد الأدوات الأساسية التي يستخدمها الاحتلال في التعامل مع المجتمع الفلسطيني. لكن استهداف الناشطين والكتاب والإعلاميين والشخصيات المجتمعية يفتح بابًا آخر من الأسئلة، يتعلق بمحاولة الحد من قدرة المجتمع على التعبير عن نفسه وعلى نقل روايته إلى الداخل والخارج.

فالناشط الفلسطيني لا يحمل بالضرورة سلاحًا، والكاتب لا يحتاج إلى بندقية حتى يكون مؤثرًا، والصحفي لا يحتاج إلى ميدان قتال حتى يصبح وجوده مزعجًا لمن يريد احتكار الصورة.

الكلمة أيضًا مساحة مواجهة.

ولهذا فإن تغييب الإنسان القادر على الحديث، والكتابة، والتوثيق، والتأثير في الرأي العام، يعني في أحد جوانبه تغييب جزء من الحضور الفلسطيني في المشهد.

والمؤشرات المتعلقة باستهداف العاملين في المجال الإعلامي تقدم مثالًا على ذلك؛ فقد قالت نقابة الصحفيين الفلسطينيين، في تقريرها للنصف الأول من عام 2026، إن 467 انتهاكًا وقع بحق الصحفيين والعاملين في الحقل الإعلامي، بينها الاعتقال ومنع التغطية والاستهداف الجسدي والاحتجاز، مشيرة إلى أن أكثر من 41% من الانتهاكات تمثلت في منع التغطية واحتجاز الطواقم.

كما توثق بيانات وكالة الأنباء والمعلومات الفلسطينية حالات اعتقال واحتجاز وملاحقة لصحفيين خلال عام 2026.

تغييب الأشخاص لا يعني تغييب الرواية

قد ينجح الاعتقال في إبعاد شخص عن المشهد لفترة، وقد يمنع الكاتب من الكتابة، والناشط من النشاط، والصحفي من الوصول إلى الميدان، لكن التجربة الفلسطينية خلال العقود الماضية تُظهر أن تغييب الأفراد لا يؤدي بالضرورة إلى اختفاء القضية التي تحدثوا عنها.

بل إن السجن نفسه يتحول أحيانًا إلى فصل جديد في قصة المعتقل.

فمنذ عقود، لم تكن السجون مجرد أماكن للاحتجاز، وإنما أصبحت جزءًا من الذاكرة الفلسطينية؛ أسماء المعتقلين، قصصهم، كتاباتهم، رسائلهم، وشهاداتهم بقيت حاضرة بعد خروجهم، أو حتى بعد رحيل بعضهم.

ولهذا فإن اعتقال سمر حمد يطرح سؤالًا يتجاوز مصير امرأة فلسطينية اعتُقلت فجرًا من منزلها: هل يمكن تغييب الرواية الفلسطينية عبر تغييب أصحابها؟

قد يُغيّب الاحتلال الصوت، لكنه لا يستطيع بالضرورة التحكم في كل الأصوات التي ستأتي بعده.

سمر حمد نموذج من نماذج كثيرة

لا يمكن النظر إلى اعتقال حمد بمعزل عن المشهد الأوسع في الضفة الغربية، حيث تتواصل حملات الاقتحام والاعتقال والمداهمة، وتطال فئات مختلفة من الفلسطينيين، بمن فيهم الناشطون والصحفيون والطلبة والنساء.

وفي هذا السياق، يصبح الدفاع عن حق الفلسطيني في التعبير، والكتابة، والعمل المجتمعي، والتوثيق، والمشاركة السياسية، جزءًا أساسيًا من الدفاع عن المجال العام نفسه.

كما أن حماية الصوت الفلسطيني لا تعني الاتفاق مع كل ما يقوله صاحبه، ولا تعني إلغاء الاختلاف السياسي والفكري؛ بل تعني أن الاختلاف لا ينبغي أن يتحول إلى سبب لمصادرة الإنسان أو تغييب صوته.

ومن هنا، فإن قضية سمر حمد لا ينبغي أن تبقى مجرد خبر عاجل عن اعتقال ناشطة فلسطينية. إنها مناسبة لإعادة طرح قضية أوسع: ماذا يحدث عندما تصبح الشخصيات القادرة على التعبير عن مجتمعها هدفًا مستمرًا للاعتقال والملاحقة؟

إن الرواية الفلسطينية ليست شخصًا واحدًا، ولا حزبًا واحدًا، ولا فصيلًا واحدًا. إنها مجموع أصوات الناس؛ الأسير، والصحفي، والكاتب، والمعلم، والناشط، والأم، والطالب، وكل فلسطيني يحاول أن يقول للعالم: نحن هنا، ولدينا ما نقوله.

وقد تستطيع يد الاحتلال أن تقتحم بيتًا فجرًا، وأن تقتاد إنسانًا إلى مكان مجهول، وأن تمنع صوتًا من الوصول إلى جمهوره.

لكن السؤال الذي يبقى مفتوحًا هو:

كم صوتًا سيولد من بعد ذلك الصوت؟

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا