السكة – المحطة الفلسطينية
في شقة بأحد التجمعات السكنية شرق العاصمة المصرية، تتحدث الجدران بلهجة فلسطينية خالصة؛ ثلاث خرائط للبلاد تقتسم فضاء المكان، ومفتاح عودة حديدي تآكلت أطرافه ولم يصدأ معناه، ومجسم لقبة الصخرة ينتصب شاهدا على غربة الجسد.
في هذا الركن، يجلس الأسير المحرر محمد أبو حميد مستندا إلى ثلاثة وعشرين عاما قضاها في عتمة السجون الإسرائيلية، يقلب في كفيه حكما مدفونا بالمؤبد مرتين وثلاثين عاما إضافية، مستعيدا طعم حرية منقوصة قذفت به مبعدا وراء الحدود.
إلى جوار محمد تجلس زوجته وردة، وبينهما حكاية حب لم تكن مألوفة ولا عادية، بل كانت ضربا من المحال والجنون؛ ارتباط وُلد عبر أثير هاتف مهرب داخل معتقل يُفترض ألا يرى قاطنوه النور أبدا، لينتهي بهما المطاف في بيت واحد انتزعاه انتزاعا من براثن السجان ومماطلات محاكم الاحتلال.
أين سأُدفن؟
لم ينشغل محمد كثيرا بفكرة الإبعاد خارج الوطن حين أبلغ بقرار الإفراج ضمن صفقة الأسرى في نوفمبر/تشرين الثاني 2025، بقدر ما انشغل بفكرة الرحيل الأخير.
يقول محمد “جال سؤال في خاطري حينما أموت أين سأدفن، فحزّ في نفسي، وأنا الذي بذلت زهرة شبابي ودمي وجهادي فداء للأرض، ألا أُوسَّد في ترابها حين أموت”. فالأسير الذي نذر عمره لوطنه لا يطلب تكريما أعظم من أن يُدفن في ثراه.
تلك الصلابة التي لم تجعل محمدا ينشغل بالإبعاد خارج أزقة البلدة التي عاش بين جنباته، تجلت في أروقة التحقيق الأخير قبيل الترحيل؛ ساعات طويلة من الاستجواب المشوب بالوعيد تارة وبالمساومة تارة أخرى.
حاول الضابط الإسرائيلي محاصرته بالقول: “نحن لا نترك في المنتصف، أين تريد أن تكون؟”، فباغته محمد بيقين من لا يملك ما يخسره: “بعد كل هذا التاريخ من التضحية والدماء، تسألني أين أكون؟! ألا تراني أين أنا؟”.
وعندما حسم الضابط أمره قائلا: “أنت مطرود إلى مصر”، جاءه الرد قاطعا: “أنا لست مطرودا عن فلسطين؛ فمصر بيتي الثاني، وامتداد قضيتي، وقلب العالم العربي، سأحيا فيها حرا بكرامتي كجزء أصيل من أهلها”.
صبر الخنساء
حكاية محمد هي فصل من ملحمة عائلية أسطورية؛ عشرة أشقاء من عائلة أبوحميد تشاطروا عتمة الزنازين ليدفعوا معا 150 عاما من أعمارهم ثمنا لحرية بلادهم ودفاعا عن كل شبر فيها من الضفة إلى القدس وغزة.
لم يترك الاحتلال في ذاكرة بيتهم بمخيم الأمعري حجرين ملتحمين، إذ هدمه خمس مرات، أولها عام 1991.
وقدمت العائلة شهيدين، كان أحدهما القائد ناصر أبو حميد الذي استشهد في الأسر عام 2022 جراء الإهمال الطبي المتعمد، وما زال جثمانه مكبلا في ثلاجات الموتى العسكرية رغم تحرير روحه.
وحين أُبرمت صفقة التبادل الأخيرة، خرج ثلاثة إخوة إلى النور كانوا محكوما عليهم بالمؤبدات (محمد، ونصر، وشريف)، لكن خطاهم ظلت مثقلة بمرارة الغياب إذ أبقى الاحتلال خلف القضبان شقيقهم الرابع -وهو “إسلام”- الذي يرزح تحت المؤبد، كما أبقى ناصرا محتجزا في صقيع ثلاجة الموتى.
وفي قلب هذه التضحيات تقف الحاجة لطيفة، “خنساء فلسطين “، التي تجرعت وجع المنع من السفر لثلاث سنوات كاملة، حُرمت فيها من لقاء ابنها محمد، تنبض كلماتها التي ينقلها ولدها برباطة جأش لا تلين؛ إذ تؤكد، بعد كل هذه الدماء والتضحيات التي قدمتها، أنها “على استعداد لتقديم سائر أبنائها قرابين على مذبح الحرية”، موقنة بأن صون الكرامة لا يتم بالدموع بل بالثبات.
وردة.. الزهرة التي شقت صخر المؤبد
كيف يتسع قلب محكوم عليه بالمؤبد مرتين لعاطفة العشق؟ لقد سعى السجان دوما إلى تجريد الأسير من مشاعره وتحويله إلى رقم بارد، غير أن الأسرى كانوا دائما كما يقول أبو حميد يقاومون هذا الموات بابتداع أدوات للصمود، ومنها هواتف خلوية بالغة الصغر تُهرب إلى عتمة الزنازين لتبقيهم موصولين بنبض الحياة.
ففي عام 2017، كان محمد يتابع من وراء القضبان قضية قانونية لأحد أشقائه المعتقلين، وكانت وردة تعمل سكرتيرة في مكتب للمحاماة برام الله.
بدأت المكالمات بأقصى درجات التحفظ والرسمية، قبل أن تتكشف خيوط القدر؛ كانت وردة تحفظ ملامح محمد من صوره، وتعرف تاريخ عائلته المناضلة.
ولأنه يدرك “فداحة أن تُربط حياة شابة في مقتبل العمر برجل يواجه السجن مدى الحياة”، آثر محمد كبح عواطفه؛ صارحها بأنه محكوم بالمؤبد وقد لا تلمس يداه فضاء الحرية أبدا، وأن من حقها أن ترتبط برجل يعيش معها في الضوء، ويشاركها بناء أسرة وإنجاب أطفال.
هنا، تقدم شقيقه الشهيد ناصر ليزيح تردد الأخ؛ التقط الهاتف من زنزانته وقال لوردة بصراحة: “محمد بحبك وبده إياكي” فجاء ردها بلسما وعهدا نضاليا: “ليس مكتوبا عليكم وحدكم أن تدفعوا الفاتورة.. أنا ابنة هذه الأرض، وأريد أن أكون شريكة في التضحية والمعاناة، وراضية بما قسمه الله لي معك”.
ورغم تحذيرات والدها الهادئة بأن “هذا القرار بلا رجعة، ويتطلب صبرا لا ينفد حتى لو لم يخرج محمد أبدا”، تمسكت وردة بموقفها، ولقيت مباركة عمها الذي قال لها بفخر: “ليت فتيات الضفة يملكن هذا الوعي، نعتز بك وبقرارك”.
زواج مع إيقاف التنفيذ
في عام 2021، أُبرم عقد الزواج عبر اللجنة الدولية للصليب الأحمر؛ صعدت الوثيقة إلى مكتب ضابط القسم، ووقع محمد برفقة شاهدين من رفاق دربه المقاومين. احتفل الأسرى بزفة كسر صداها صمت جدران الزنازين، وشهدت بلدة عارورة في رام الله عرسا تراجيديا نادرة جلست فيها العروس وحيدة في منصتها، وبجوارها صورة كبيرة للعريس الغائب خلف أسوار السجون الإسرائيلية، وكانت وردة تنثر يقينا عجيبا بين الحاضرين حين قالت: “عندي إيمان بأن محمدا لن يتم خمس سنوات في السجن”؛ نبوءة صادقة أزهرت في عام 2026 حين “تحرر محمد بعد خمس سنوات من عقد القران بالضبط”.
لم تنتهِ المعاناة بكسر القيد، بل فتح الإبعاد بابا جديدا من التنكيل الممنهج على مدار عام ونصف عام، خاض الزوجان معركة قضائية مريرة لنيل حق لمّ الشمل.
أعادت سلطات الاحتلال وردة عن معبر الجسر أربع أو خمس مرات، وفي كل مرة كانت تتجرع مرارة الانتظار والرفض والرجوع باكية. وحتى حين انتزعت حكما يسمح بسفرها مبعدة لأربع سنوات، واصلت النيابة العسكرية المماطلة؛ حيث طلبت مهلة لشهر، ثم تمديدا لخمسة عشر يوما، ولما انقضت المهل، احتجزت أجهزة الأمن ورقة التوقيع عشرة أيام بذريعة مرض الضابط المخول الإمضاء.
غير أن صمودهما انتصر في النهاية، لتصل وردة إلى القاهرة ويجتمعا معا في لقاء وصفه محمد بأنه “انتصار حقيقي انتزعناه بالصبر والدموع والدعاء”، مستحضرا مقطع الفيديو الذي وثق صرخته الأولى في الهاتف لحظة الإفراج عنه وهو يهتف لها: “أنا حر”.
على تردد الجزيرة
حين يمتد الحديث إلى معركة 7 أكتوبر/تشرين الأول، يرى محمد أن مأساة فلسطين لم تنفجر في خريف 2023، بل تجذرت في النكبة عام 1948. ويؤكد أن للحرية ثمنا باهظا.
ويقول بحزن باسم رفاق القيد: “لو خُيّرنا نحن الأسرى بين كسر قيودنا وبين قطرة دم واحدة سالت في غزة، لاخترنا البقاء في الزنازين دهرا”، مستدركا بأن “الكرامة خيار مكلف فرضته نوائب التاريخ”.
يستعيد محمد بشاعة الأيام التي أعقبت معركة أكتوبر، حين تحولت السجون إلى مقابر مظلمة تُمارس فيها أشكال الإبادة البطيئة؛ جُرد الأسرى من كل شيء. ويروي كيف استطاع مئة وعشرون أسيرا في أحد الأقسام الحفاظ على راديو صغير مهرب يعمل بصعوبة بالغة، فكانوا يسترقون السمع عبره لنصف ساعة يوميا على تردد قناة الجزيرة ليلتقطوا أخبار شعبهم المحاصر في غزة والضفة.
ويصف تلك المرحلة باختناق: “اجتمعت على الأسير كل آفات الأرض دفعة واحدة؛ جوع كافر على مدار أربع وعشرين ساعة، وبرد ينهش العظام بلا أغطية، وأمراض تتفشى بلا دواء ولا ماء نظيف، وعزلة خانقة عن الكون”.
البرغوثي المعلم وسلامة الملهم
بين طيات سنوات الأسر، يسطر محمد شهادة للتاريخ في حق قائدين عايشهما مروان البرغوثي وحسن سلامة.
يذكر أبو حميد البرغوثي، واصفا إياه بـ”الأب والمعلم” الذي قاد ثورة تعليمية داخل السجون، ناسجا خيوط التنسيق مع الجامعات الفلسطينية لتتحول الزنازين إلى صروح علمية يتلقى فيها المناضلون محاضراتهم وينالون درجات الماجستير والدراسات العليا.
وتذكر محمد وهو ابن كتائب شهداء الأقصى التابعة لحركة فتح، ثلاثين يوما قضاها في العزل الانفرادي إبان الحرب داخل الزنزانة رقم 5، حيث كان حسن سلامة جاره في الزنزانة.
يقول محمد بحكم معرفتي التامة باللغة العبرية، سمعت قوات القمع تتجهز لاقتحام زنزانة سلامة بالكلاب البوليسية لكسر رمزيته، فهرعت إلى النافذة الخلفية محذرا: أبو علي، إنهم يستعدون للاقتحام بالكلاب، ارتدِ ما يقيك واحتمِ بأي شيء.
فأجابه سلامة بلسان المؤمن الراسخ: “يا أبو ناصر، لن يفعلوا بي سوى ما قضاه وكتبه الله، فلا تقلق”.
يعلق محمد على تلك الحادثة بخشوع: “مكثت طويلا أتأمل كلماته؛ لم يكن يكترث ببطشهم ولا بعددهم، كان غارقا في يقين وتسليم مطلق لإرادة الله، وتلك الكلمات هي التي شحنت روحي بطاقة صمود متجددة”.
واليوم، في هذا البيت الفلسطيني المقام على الأراضي المصرية والمطل على الغربة، تقف حكاية محمد ووردة شاهدا على ملحمة، تثبت أن الحرية فكرة عصية على القيود والأسوار وأن الحب يمكن أن يكون أداة للمقاومة لا تقل في تأثيرها عن البارود والرصاص.

