السكة – المحطة العربية
تحتدم المعارك على مشارف مدينة تعز (جنوب غرب) بين قوات الحكومة المعترف بها دوليًا وقوات جماعة «أنصار الله» (الحوثيون)، التي شهدت الأربعاء تقدمًا للجماعة باتجاه المنفذ الغربي لثالث أكبر مدينة في اليمن، وسيطرتهم على إحدى نقاط التفتيش، مع إعلانهم تعزيز نفوذهم في مطار ذوباب في الساحل الغربي، وبالتوازي مع استمرار القصف المتبادل في العمقين اليمنيّ والسعودي.
جبهات يلتهمها القتال
وأكدت مصادر ميدانية لـ«القدس العربي» سيطرة قوات الحوثيين على نقطة الهنجر في المدخل الغربي لمدينة تعز عقب اشتباكات عنيفة مع القوات الحكومية انتهت بسيطرة الجماعة على إحدى أهم نقاط التفتيش في المدخل الغربي الرئيسي للمدينة.
وتقع النقطة ضمن خط الضباب الاستراتيجي الذي يعتبر الشريان الحيوي شبه الوحيد الذي يربط مركز تعز بمناطق الريف الجنوبي، وبخاصة مدينة التربة، وصولًا إلى المحافظات الجنوبية مثل لحج وعدن.
وفيما يتعلق بخط الضباب، فما زال ساحة قتال شديد بين الطرفين، وفي الوقت الذي تقول القوات الحكومية إنها ما تزال متمركزة في المرتفعات المطلة على نقطة الهنجر وتحاول من خلال سيطرتها النارية استعادة النقطة، تمتد المواجهات إلى جبل هان والصياحي وجبل حذران.
ويضم خط الضباب تبابًا ومرتفعات حاكمة، وهو ما يجعله خط دفاع ومواجهة رئيسياً في المعارك الدائرة غرب وجنوب غرب المدينة، التي تسيطر على مركزها القوات الحكومية، بينما صار الحوثيون يطبقون الخناق عليها من الجهات الأربع.
وعلى جبهة محاذية أخرى، وتحديدًا في جنوب مدينة تعز، تقع مديرية المسراخ على بُعد نحو 25 كيلومتراً، وهي منطقة جبلية هامة تطل على المدينة، وتحد المسراخ من الشمال مديريتا مشرعة وحدنان وصبر الموادم. وفي مديرية المسراخ تشتعل جبهتا الأقروض والشقب. وفي الجبهتين الواقعتين جنوب شرق تعز ما تزال المواجهات الطاحنة محتدمة بين الطرفين دون أن تسفر عن تقدم لأحدهما؛ إذ إن مَن يتقدم في الجبهتين سيعزز مواقعه باتجاه المدينة، وبخاصة في حال السيطرة على جبل صبر الاستراتيجي المطل على المدينة.
وفي جبهات جبل صبر، قالت قناة «الجمهورية» الفضائية التابعة لـ«قوات المقاومة الوطنية» إن قوات الجيش والمقاومة الشعبية يخوضون مواجهات عنيفة مع الحوثيين.
ويسود الجبهة الشرقية لتعز هدوء حذر بموازاة مناوشات بين وقت وآخر على الجبهة الشمالية في محيط شارع الستين، حيث يتمركز «أنصار الله».
وفي الداخل الريفي، ما يزال الحوثيون يحكمون السيطرة على معظم مناطق الريف مع استمرار المواجهات في أطراف الوازعية وجبل حبشي وغيرهما، بالتوازي مع استمرار الهجمات الصاروخية وبالطيران المسيّر والطيران الحربي.
وأفادت وكالة أنباء «سبأ» التابعة للجماعة بمقتل امرأة وإصابة أربع أخريات بينهن طفلة، جراء استهداف «الطيران السعودي» منطقة بني عامر بمديرية الشمايتين في الريف الجنوبي.
كما نقلت عن المتحدث باسم وزارة الصحة والبيئة بصنعاء الدكتور أنيس الأصبحي، إفادته بمقتل رجل وإصابة زوجته إثر قصف مدفعي للطرف الآخر على منزلهم في الرام الأعلى بمديرية حيفان جنوب شرقي المحافظة.
وعلى التخوم الحدودية للحج (جنوب)، وتحديدًا في مديرية المضاربة المحاذية لمحافظة تعز، ما تزال المواجهات مستعرة بين الطرفين.
وقالت «قوات درع الوطن» إنها مستمرة في تأمين المواقع الاستراتيجية في جبهة المضاربة، وتعزيز انتشارها الميداني بما يسهم في رفع مستوى الجاهزية، في إطار عملية «فجر اليمن».
بالانتقال إلى الساحل الغربي، وتحديدًا في المناطق المطلة على مضيق باب المندب، أعلنت جماعة الحوثيين استعادة سيطرتها على مطار ذوباب. إذ نشرت، الأربعاء، مشاهد مصورة لما قالت إنها لطرد تحشيدات الطرف الآخر في مطار ذوباب وإحراق واغتنام عدد من آلياته وأسر عدد منهم.
وبالانتقال إلى محور مأرب والجوف (وسط وشمال شرق)، تُفيد المصادر بتواصل الهجمات المتبادلة في جبهات جنوب مأرب، حيث وثقت القوات الحكومية فرار عناصر قالت إنهم للحوثيين. فيما أعلنت وسائل إعلام الجماعة عن أربع غارات «للطيران السعودي» استهدفت مديرية حريب دون توضيح نتائج الغارات.
أما في محافظة الجوف، قالت «قوات درع الوطن» إن سلاح مدفعية اللواء الخامس بفرقتها الثالثة استهدفت ثكنة عسكرية للحوثيين ضمن عملية «فجر اليمن» دون توضيح موقعها ونتائجها.
وعلى صعيد الحدود الشمالية، وتحديدًا في محافظة صعدة (شمال)، أفادت وسائل إعلام الجماعة بمقتل مواطنين اثنين وإصابة اثنين آخرين بقصف مدفعي سعودي على قرى سكنية بمديرية شدا الحدودية.
أرامكو
لم تتوقف شرارة الميدان عند جبهات الداخل، بل امتدت بالتوازي لتشهد جبهات العمق الإقليمي تصعيدًا لافتًا، حيث أعلن المتحدث العسكري باسم الجماعة، العميد يحيى سريع، عن استهداف شركة أرامكو في الظهران بالمنطقة الشرقية ومطار الملك خالد الدولي ومصفاة أرامكو في الرياض، «بعدد كبير من الصواريخ الباليستية والمجنحة والطائرات المسيّرة»، وذلك ردًا على ما اعتبره «العدوان السعودي الذي استهدف بلدنا وشعبنا خلال فترة التصعيد بـ 2281 غارة جوية وصاروخاً».
وقال سريع «إن الإصابة كانت دقيقة وتسببت بدمار ونشوب حرائق في المواقع المستهدفة».
ويأتي هذا الإعلان غداة استهداف التحالف محطة الصباحة النفطية في الأطراف الغربية للعاصمة صنعاء، والتي تضم خزانات تابعة لشركة النفط اليمنية الحكومية، وحذرت الجماعة الثلاثاء باستهداف المواقع الثلاثة في الرياض والظهران.
وأكدت الجماعة أن «عملياتها باتجاه العمق السعودي ستستمر خلال الأيام المقبلة باستهداف مطارات السعودية ومنشآتها النفطية وستكون عواقبها وخيمة»، مجددة التحذير لكافة شركات الملاحة العالمية والمواطنين والعاملين في تلك المطارات والشركات بالابتعاد عنها والإخلاء الفوري كونها صارت أهدافًا مشروعة لهم.
كما أكدت أنها «مستمرة في فرض معادلة الحصار بالحصار والتصعيد بالتصعيد حتى وقف العدوان وإنهاء الحصار».
ونقلت وكالة أنباء «سبأ» التابعة للجماعة عن مصدر عسكري لم تسمه تحذيره للمساهمين في شركة أرامكو، ودعوته لهم «التخلص من أسهمهم فيها حتى لا يتعرضوا لخسائر في الأيام القادمة».
وفي السياق، أعلن الدفاع المدني السعودي، الأربعاء، سقوط شظايا نتيجة اعتراض صاروخ باليستي في مدينة الرياض نتج عنه إصابة مقيم من جنسية عربية وأضرار مادية محدودة في منزل سكني ومركبة. وسبق أن أعلن، ليل الثلاثاء- الأربعاء، عن سقوط شظايا نتيجة اعتراض صاروخين من نوع كروز في مدينة الرياض نتج عنهما 4 إصابات وأضرار مادية محدودة في 15 منزلًا سكنيًا.
وكان قد أعلن عن تنبيهات بالخطر في مدينة الرياض ومحافظات الخرج والسليل ووادي الدواسر، قبل أن يعلن لاحقًا زوال الخطر.
وبينما ذكرت وزارة الطاقة السعودية، في بيان، أن الهجوم الذي وقع مساء الثلاثاء تسبب في اندلاع حريق محدود في مبنى شركة أرامكو للنفط في الظهران، نقلت وكالة رويترز عن ثلاثة مصادر أن المبنى تعرض لأضرار جسيمة جراء الهجوم الذي أسفر عن حريق امتد لعدة طوابق.
وذكر مصدران أن العمليات استمرت بشكل طبيعي رغم ذلك، لكن طُلب من بعض الموظفين العمل من المنزل، فيما أشار مصدر رابع إلى نقل بعض المهام إلى مكاتب خارج السعودية، مضيفًا أن الحريق كان لا يزال مشتعلًا حتى الساعات الأولى من صباح الأربعاء.
ويضم المقر مركز عمليات يساعد أكبر شركة نفط في العالم على الإشراف على منصات نفط برية وبحرية ومصاف ومحطات تصدير وخطوط أنابيب تمتد لآلاف الكيلومترات.
وقال اثنان من المصادر إن الحريق اندلع في الطابق التاسع من الجناح الجنوبي للمبنى الإداري، وامتد بين الطابقين السادس والعاشر. وذكر مصدر آخر أن الطوابق الثلاثة العليا من المبنى، حيث يقع مكتب أمين الناصر الرئيس التنفيذي لأرامكو، تضررت بشدة وانهار جزء من السقف وتحطمت نوافذ وأبواب.
علاوة على ذلك، أفاد المتحدث باسم التحالف، اللواء تركي المالكي، الأربعاء، باعتراض وتدمير صاروخ باليستي أطلقه الحوثيون باتجاه الرياض، واعتراض وتدمير صاروخ مجنح (كروز) بمحافظة الخرج.
نزيف طبي ومساعدات مقطوعة
هذا الانفجار العسكري الميداني والجوي عكس أثرًا كارثيًا مباشرًا على الواقع الإنساني؛ إذ حذرت منظمات إنسانية دولية، الأربعاء، من تداعيات كارثية جراء التصعيد العسكري الأخير في اليمن، معلنة انقطاع سبل وصول المساعدات الغذائية الطارئة عن مئات الآلاف، في وقت تسجل فيه المستشفيات تدفقًا غير مسبوق للقتلى والجرحى.
وفي السياق، أعلن برنامج الغذاء العالمي التابع للأمم المتحدة أن تصاعد النزاع وإغلاق الطرق وتغير خطوط المواجهة أدت إلى منع وصول المساعدات المنقذة للحياة إلى 800 ألف شخص بينهم 600 ألف شخص في محافظة تعز، من ضمنهم 200 ألف امرأة وطفل و200 ألف في الساحل الغربي.
وقال في بيان: «لقد استقبلت مديريات تعز أكبر أعداد من النازحين داخلياً منذ بداية الأزمة، إلا أن الوصول إلى العديد منها أصبح متعذراً الآن بسبب استمرار القتال واحتمال إغلاق الطرق المحيطة بالمحافظة الأكثر اكتظاظاً بالسكان في اليمن».
وعدّ البرنامج تعذر الوصول أمرًا مثيرًا للقلق بشكل خاص نظرًا لأن تعز تعاني من واحدة من أعلى معدلات انعدام الأمن الغذائي في البلاد، حيث صُنفت عشر مديريات من أصل 16 مديرية سابقاً عند مستويات «الطوارئ» (المرحلة الرابعة وفقاً للتصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي أي بي سي 4).
فيما تشير أحدث عمليات الرصد التي أجراها البرنامج إلى أن مخزونات دقيق القمح قد أوشكت على النفاد، وأن الإمدادات الغذائية المتبقية في الأسواق المحلية قد لا تكفي إلا لفترة وجيزة إذا استمرت القيود المفروضة على الوصول.
كما كشفت عمليات الرصد الأخيرة التي أجراها البرنامج في المناطق التي يمكن الوصول إليها في اليمن أن 74 % من الأسر عجزت عن تلبية احتياجاتها الغذائية الأساسية.
ويواجه أكثر من 18 مليون شخص في جميع أنحاء اليمن انعداماً حاداً في الأمن الغذائي. ويعاني نحو 2.2 مليون طفل دون سن الخامسة من سوء التغذية الحاد.
على الصعيد الطبي، أكدت اللجنة الدولية للصليب الأحمر أن جميع خطوط المواجهة تشهد ارتفاعًا غير مسبوق في الإصابات الناجمة عن الأسلحة، لا سيما في مأرب وتعز وساحل البحر الأحمر.
وقالت في بيان: «لقد بلغت المستشفيات والمرافق الصحية طاقتها الاستيعابية القصوى. وسجّلت بعض مرافق خطوط المواجهة أكثر من 700 حالة دخول خلال أسبوع واحد. وتتزايد وتيرة تدفقات الإصابات الجماعية».
وقال فراس أبو سمرة، منسق الشؤون الصحية في اللجنة الدولية للصليب الأحمر: «يواجه العاملون في مجال رعاية الإصابات ضغطًا هائلًا. فنسبة ضئيلة فقط من المرافق الصحية العاملة في اليمن قادرة على تقديم رعاية شاملة للإصابات».
وأشارت اللجنة الدولية إلى ارتفاع مقلق في أعداد الوفيات والنازحين وتضرر البنية التحتية المدنية في مدينتي عدن وصنعاء، إلى جانب تسجيل وفيات وإصابات ودمار في المملكة العربية السعودية خلال الأيام الأخيرة.
وجددت المنظمات الإنسانية دعوتها لجميع أطراف النزاع للالتزام بالقانون الدولي الإنساني، ووقف استهداف المدنيين والبنى التحتية الحيوية مثل الموانئ والمطارات، وتأمين ممرات آمنة ومستدامة لإيصال الإغاثة.
حراك جنوبي ودعوات الانفصال
وعلى التوازي مع التفشي الكارثي للأزمة الإنسانية، سجل الملف السياسي الجنوبي تطورات بارزة، وتجسد ذلك في حراك شعبي لافت بالتزامن مع الذكرى الوطنية، حيث شهدت مدن عدن (جنوب) والمكلا وسيئون (شرق) وغيرها تظاهرات لأنصار المجلس الانتقالي الجنوبي (التيار المطالب الانفصال)، وذلك استجابة لدعوة رئيس المجلس عيدروس الزُبيدي، للمشاركة فيما سماها «مليونية التعبئة الشعبية العامة» في ذكرى 14 أكتوبر/ تشرين الأول، وهي ذكرى اندلاع الثورة ضد المحتل البريطاني لجنوب اليمن عام 1963م.
وأكد البيان الختامي للتظاهرات تمسك المحتشدين بالمضي نحو «استقلال وطني ناجز» واستعادة ما سموها «الدولة الجنوبية بحدود ما قبل مايو/أيار 1990م».
وأعلن البيان الاستجابة لدعوة «التعبئة الشعبية العامة» لإسناد ما سماها «القوات المسلحة الجنوبية» في تأمين كامل حدود الجنوب، محذرًا من محاولات إضفاء صبغة طائفية على الحرب أو الزج بالجنوبيين في صراعات خارج إطارهم الوطني، على حد تعبيره.
ودعا بيان التظاهرات، المجتمعين الإقليمي والدولي، إلى «اعتراف مسؤول» بحق من سماه «شعب الجنوب» في تقرير مصيره وإعادة دولته كاملة السيادية والتعاطي الإيجابي مع «الإعلان الدستوري والبيان السياسي» الصادرين في يناير الماضي. كما أدان الهجمات الحوثية المستهدفة للمدنيين والمنشآت في المملكة العربية السعودية.
ولفت إلى أن تأمين خطوط الملاحة الدولية في مضيق باب المندب وخليج عدن يستدعي ما اعتبره «تمكين الجنوبيين» من الإدارة السياسية والعسكرية الكاملة لمدنهم، مؤكدًا أن استعادة ما سماها «الدولة الجنوبية» يمثل الركيزة الأساسية لتحقيق الاستقرار والتوازن الإقليمي.
(القدس العربي)

