الأحد, سبتمبر 6, 2026

الأكثر

الرئيسيةمحطة المقالاتالاستيطان وفرض المشهد: كيف يعيد الاحتلال تشكيل الضفة الغربية أرضًا وهوية

الاستيطان وفرض المشهد: كيف يعيد الاحتلال تشكيل الضفة الغربية أرضًا وهوية

السكة – محطة المقالات – ثامر سباعنة

في السنوات الأخيرة، يتضح أن مشروع الاستيطان في الضفة الغربية لم يعد مجرد توسّع سكاني معزول، بل بات أداة مركزية ضمن رؤية شاملة يسعى الاحتلال من خلالها إلى إعادة تشكيل المكان والإنسان معًا. فالمستوطنات لم تُنشأ فقط لاحتواء المستوطنين، بل لتفكيك الجغرافيا الفلسطينية، والتحكم بمفاصلها الحيوية، وفرض واقع جديد يصعب تغييره مستقبلًا.

الهدف الأساسي من نشر المستوطنات يتمثل في تقطيع أوصال الأرض الفلسطينية وتحويلها إلى جزر منفصلة، بما يعيق أي تواصل جغرافي أو ديمغرافي طبيعي. فكل مستوطنة جديدة تعني تضييق الخناق على القرى والمدن الفلسطينية، ومصادرة مزيد من الأراضي، والسيطرة على المرتفعات والطرق الرئيسة ومصادر المياه. وبهذا، يصبح الوجود الفلسطيني محاصرًا ضمن مساحات محدودة، بينما يتمتع المشروع الاستيطاني بامتداد أفقي وعمق استراتيجي مدروس.

إلى جانب السيطرة على الأرض، يعمل الاحتلال على فرض ما يمكن تسميته بـ«الهوية البصرية» للضفة الغربية. فانتشار الأعلام الإسرائيلية في الشوارع، وعلى مداخل القرى، وعلى أعمدة الكهرباء والطرق الالتفافية، حوّل المشهد العام إلى مساحة يطغى عليها اللونان الأبيض والأزرق. هذه السياسة ليست عفوية، بل تهدف إلى تكريس شعور دائم بالهيمنة، وإيصال رسالة واضحة مفادها أن السيادة المفروضة هي سيادة الاحتلال، وأن المشهد العام يجب أن يعكس ذلك، سواء للفلسطيني أو للزائر العابر.

في هذا السياق، صادق المجلس الوزاري الإسرائيلي المصغّر على إقامة وتسوية 19 مستوطنة جديدة، في خطوة تحمل أبعادًا استراتيجية بعيدة المدى. بعض هذه المستوطنات كان قائمًا سابقًا دون اعتراف رسمي، وتم الآن تنظيم وضعه، بينما تحولت مزارع ونقاط استيطانية إلى تجمعات ذات صفة بلدية، وأُنشئت أخرى جديدة بالكامل. هذا الإجراء لا يقتصر على الجانب الإداري، بل يعكس انتقالًا في طريقة التفكير، من إدارة مؤقتة للاحتلال إلى ترسيخ دائم للسيطرة.

توزّع هذه المستوطنات لم يكن عشوائيًا؛ فقد شمل مناطق تمتد من محيط أريحا وصولًا إلى شمال الأغوار، مرورًا بالمناطق الشرقية والشمالية. ويبرز هنا التركيز على غور الأردن، الذي يُنظر إليه كمنطقة عازلة وحاجز جغرافي يفصل الضفة الغربية عن عمقها العربي. كما أُقيمت مستوطنات تهدف إلى حماية محاور مواصلات مركزية، وربط الكتل الاستيطانية ببعضها، بما يعزز التواصل الجغرافي بينها، ويُضعف في المقابل تواصل التجمعات الفلسطينية.

أما إعادة إحياء مستوطنات أُخليت سابقًا، فتعبّر عن انقلاب واضح على سياسات سابقة، وتؤكد أن الاحتلال يسعى إلى تثبيت معادلة جديدة عنوانها: لا انسحاب ولا تفكيك، بل توسع وترسيخ. وبهذا، تتحول المستوطنات إلى أدوات أمنية وسياسية في آن واحد، تُستخدم لإحكام السيطرة، وفرض وقائع يصعب تجاوزها في أي تسوية مستقبلية.

في المحصلة، فإن الاستيطان، مقرونًا بفرض الهوية البصرية الإسرائيلية، يشكّل مشروعًا متكاملًا لإعادة رسم خريطة السيطرة على الأرض الفلسطينية. إنه مشروع طويل الأمد، لا يستهدف الحاضر فقط، بل يسعى إلى مصادرة المستقبل عبر دمج الأمن بالجغرافيا، والرمز بالواقع، في محاولة لفرض أمر واقع دائم على حساب الحق الفلسطيني.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا