الأربعاء, يوليو 29, 2026

الأكثر

الرئيسيةالمحطة الرئيسيةسوريا الحديثة الرئيس جهادي والدولة هشّة

سوريا الحديثة الرئيس جهادي والدولة هشّة

السكة – محطة المقالات

في إحدى ليالي آب/أغسطس 2011، تسللت مجموعة من عناصر التيار السلفي الجهادي عبر الحدود من العراق إلى سوريا تحت جنح الظلام. ضمّت المجموعة قادة ميدانيين مخضرمين من تنظيم “دولة العراق الإسلامية” (ISI)، فرع تنظيم القاعدة في العراق، وقد جرى اختيارهم بعناية لزرع بذور جبهة جديدة داخل الأراضي السورية.

في ذلك الوقت، كانت مهمتهم تحظى بموافقة مباشرة من زعيم التنظيم أبو بكر البغدادي، وكذلك من قائد تنظيم القاعدة أيمن الظواهري. خلال أشهر قليلة، اتخذ المشروع شكله العلني تحت اسم جبهة النصرة، واضعًا الأساس لعقدٍ كامل من الانقسامات الدموية التي لا تزال تشكّل المشهد الميداني السوري حتى اليوم.

بعد أكثر من خمسة عشر عامًا، أصبحت الاغتيالات والتفجيرات المؤشر الأوضح على طبيعة النظام السوري في مرحلة ما بعد الحرب. فهي عمليات دقيقة تكشف هشاشة بنية السلطة الجديدة، والإرث غير المحسوم لانقسامات التيار الجهادي، وبقاء شبكات سرية سبقت سقوط دمشق.

بعض هذه العمليات يحمل بصمات واضحة، بينما يبقى بعضها الآخر مجهول الفاعل، ما يفتح الباب أمام تفسيرات متنافسة: صراعات خفية بين خلايا باقية، تصفيات داخلية، أو عمليات أمنية منسوبة للدولة لكن بغطاء مختلف. غير أن هذه الأحداث، بمجملها، تُفهم بوصفها ارتدادات لانهيار منظومة جهادية مجزّأة لم تُحلّ يومًا، بل أعادت إنتاج نفسها بأشكال جديدة.

جذور فرع القاعدة في سوريا

تعود نواة جبهة النصرة إلى مقترح من 25 صفحة كتبه سوري يُدعى عُويس الموسلي وقدّمه إلى البغدادي عام 2011. وبعد الحصول على الضوء الأخضر من البغدادي والظواهري، عبر الموسلي وخمسة آخرون إلى سوريا، بينهم: أبو جليبيب الأردني، أبو أنس الصحابة، أبو عمر الفلسطيني، صالح حما، وأبو أحمد حدود. وكان في استقبالهم أبو ماريا القحطاني، ليشكّلوا معًا النواة السباعية الأولى لفرع القاعدة في سوريا.

في كانون الثاني/يناير 2012، أعلنت المجموعة عن نفسها رسميًا تحت اسم “جبهة النصرة”، وتبنّى الموسلي الاسم الحركي أبو محمد الجولاني (المعروف اليوم بصفته الرئيس السوري المعلن أحمد الشرع). وخلال أشهر، توسعت النصرة بسرعة، فسيطرت على الرقة وأجزاء واسعة من دير الزور وإدلب، ومناطق في حلب، ورسخت وجودًا قويًا في درعا، لتصبح القوة المسلحة الأبرز على الأرض السورية.

لم تكتفِ النصرة بمقاتلة الجيش العربي السوري، بل استوعبت أو همّشت أو اصطدمت بمعظم الفصائل التي نشأت مع بدايات الانتفاضة. وقد ساعدها تدفق المقاتلين الأجانب، وخطوط التهريب، والدعم الإقليمي، على التمدد السريع. في المقابل، ركز الإعلام الغربي على صلاتها بالقاعدة، بينما ناورت قوى إقليمية مثل تركيا وقطر بين فصائل المعارضة المتنافسة سعيًا لتعظيم نفوذها.

القطيعة: الجولاني في مواجهة البغدادي

مع صعود النصرة، تفجّرت التوترات مع التنظيم الأم في العراق. ففي مطلع عام 2013، أعلن أبو بكر البغدادي دمج قواته مع جبهة النصرة تحت مسمى “الدولة الإسلامية في العراق والشام” (داعش)، وفرض سلسلة مطالب شملت اغتيالات في دمشق، وإرسال مفخخات إلى تركيا، وتطهير طائفي، وفرض حكم القاعدة بالقوة.

رفض الجولاني هذا المسار، وأصر على بقاء النصرة كيانًا مستقلًا تابعًا للقيادة المركزية للقاعدة، ما أدى إلى انقسام علني وصدامات دامية. أيّد الظواهري موقف الجولاني، لكن البغدادي رفض القرار، وانشق نهائيًا، مطالبًا بالولاء المطلق لداعش.

هكذا اندلعت حرب جهادية داخلية، أيديولوجية وميدانية، بين حلفاء الأمس.

المركزية مقابل اللامركزية: صدع أيديولوجي

كشف الانقسام عن خلاف أعمق في الرؤية. استند الجولاني إلى فكر أبي مصعب السوري الذي دعا إلى جهاد لامركزي قائم على خلايا مستقلة تتكيف مع البيئات المحلية. في المقابل، ورث البغدادي نهج أبي مصعب الزرقاوي القائم على السيطرة المركزية الصارمة وفرض السلطة بالقوة.

سمح النموذج اللامركزي للجولاني بالحفاظ على استقلاليته، بينما عزز دعم الظواهري موقعه. أما سعي البغدادي للهيمنة المطلقة فقد أدى إلى مزيد من الانقسامات والعنف.

ولادة هيئة تحرير الشام

بعد خسائر فادحة أمام داعش، أعادت النصرة تسمية نفسها إلى “جبهة فتح الشام” وأعلنت فك ارتباطها بالقاعدة، ما تسبب بانشقاق جديد. انفصل قادة مؤسسون مثل أبو جليبيب وأبو خديجة ليؤسسوا حراس الدين، معيدين تمثيل القاعدة في سوريا.

في عام 2017، أسس الجولاني هيئة تحرير الشام (HTS) عبر دمج عدة فصائل، وسيطر على إدلب، وأقام “حكومة الإنقاذ”، واحتكر المعابر مع تركيا. استخدمت الهيئة نفوذها لقمع الخصوم، وفرض الضرائب، وبناء مؤسسات موازية، وتنفيذ اغتيالات بحق منافسيها.

من بقي من الخلية الأولى؟

من بين المؤسسين السبعة، لم يبقَ فاعلًا سوى الجولاني وأبو أحمد حدود. قُتل أو أُقصي أو اختفى الباقون. قُتل أبو ماريا القحطاني بعبوة ناسفة، فيما حذّر حدود الجولاني من محاولته الانقلاب. وبعد سقوط حكومة بشار الأسد، أصبح الجولاني رئيسًا باسم أحمد الشرع، وتولى حدود وزارة الداخلية باسم أنس خطاب.

تحوّل المتمرّدون إلى دولة.

الحروب الخفية بعد الأسد

بعد هدنة غير معلنة مع داعش، تغيّر المشهد أواخر 2025 عندما انضمت الحكومة السورية الجديدة إلى التحالف الدولي. بدأ داعش باستهداف القوات الحكومية مباشرة، مستخدمًا التفجيرات والاغتيالات.

بعض الهجمات لم يُعلن عن منفذيها، بينها تفجير كنيسة وعملية تدمر التي قُتل فيها جنديان أمريكيان. وبينما اتهمت واشنطن داعش، قالت دمشق إن المنفذ عنصر من داخل أجهزتها تم تطرفه.

يرى الخبير ماهر فرغلي أن جماعات مثل حراس الدين أو خلايا مستقلة تقف خلف جزء من هذه العمليات، ما يعكس استمرار التشرذم الجهادي.

واجهات وتنصّل استراتيجي

ظهور جماعة سرايا أنصار السنة مثّل مرحلة جديدة، إذ تتبنى خطاب داعش دون إعلان الارتباط به. ويشير فرغلي إلى أن هذه الواجهات تمنح داعش إنكارًا معقولًا وتسهّل التجنيد وتوجيه الضربات دون تصعيد شامل.

عنف طائفي وعقوبات دولية

اتجه العنف نحو الأقليات، خصوصًا العلويين والدروز. شهد آذار/مارس 2025 مجازر في الساحل، وتلتها هجمات في السويداء. ردّت أوروبا وبريطانيا بعقوبات على قادة فصائل مدعومة من تركيا، فيما بقي معظم قادة الجيش الجديد على لوائح الإرهاب الدولية، باستثناء الجولاني وحدود.

حرب لم تنتهِ

تواجه سوريا الجديدة إرثًا ثقيلًا من الصراعات الأيديولوجية والشبكات السرية والتحالفات المتقلبة. النجاح لن يتوقف على الدستور أو الحدود فحسب، بل على قدرة الدولة على تفكيك البنى الموازية التي لا تزال تعمل 

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا