السكة – المنوعات
فيما يشبه طمأنة جمهوره ومتابعيه، نشر المغني المغربي سعد لمجرد مقطع فيديو ومجموعة من الصور على حسابه في “إنستغرام”، وأرفقها بتعليق باللغة الإنكليزية جاء فيه: “أهلي الأعزاء ومحبي، الحمد لله كل شيء على ما يرام”، وأضاف: “أنا في طريقي للعودة إلى المنزل، وإلى العمل، وأركز كل جهودي على التحضير للحفلات المقبلة”.
وظهر الفنان الشهير بلقب “المعلم” في مقطع الفيديو القصير وهو يتأمل الطريق من على متن القطار، ويختم بابتسامة، بينما بدا واضحا في الصور الأخرى أنه أراد إيصال رسالة من خلال تركيزه على حقيبة السفر، والسير في ردهة المحطة، ووضع سماعة موسيقية.
ويعد هذا أول منشور يشاركه لمجرد مع متابعيه بعد صدور حكم القضاء الفرنسي الذي أدانه بخمس سنوات سجنا وغرامة مالية في قضية اغتصاب فتاة تعود إلى عام 2018.
وتلقى النجم المغربي سيلا من الدعم على منشوره، وكان لافتا حضور تعليقات لفنانين مغاربة، من بينهم المغنية دنيا بطمة التي عبرت عن حبها ودعمها لـ “المعلم” بأيقونات عبارة عن خمسة قلوب.
أما الممثل سعيد باي فقد كتب: “الله يحفظك… يا رب”، واتفق المغني الشعبي عبد العزيز الستاتي مع بطمة في إرسال القلوب، بينما كتبت الممثلة دنيا بوطازوت: “ربي معاك خويا والله”. ومن جهتها، قالت الممثلة سعاد خويي: “الحمد لله على سلامتك”، وأضافت: “الله يبعد عليك شر الخلق”. أما المطرب الدوزي فقد مزج بين أيقونات القلوب والكلمات، مخاطبا لمجرد بقوله: “خويا العزيز راك في القلب”.
ومنشور لمجرد، الذي نال إلى حدود كتابة هذا التقرير 125 ألف إشارة إعجاب، يأتي مباشرة بعد أن أصدرت محكمة الجنايات في مدينة دراغينيان، جنوب شرق فرنسا، حكما بإدانته بتهمة الاغتصاب، حيث قضت بالسجن النافذ في حقه لمدة خمس سنوات، مع إلزامه بدفع 30 ألف يورو كتعويض للمشتكية، بالإضافة إلى 5 آلاف يورو لتغطية أتعاب المحاماة.
وركزت معظم المنابر الإعلامية المحلية والعربية والدولية على مغادرة لمجرد المحكمة طليقا وعودته إلى منزله، إذ لم يتم إصدار أمر بمذكرة توقيف فورية، مما يتيح له ولمحاميه فرصة استئناف الحكم ومتابعة الإجراءات القانونية وهو في حالة سراح.
وتعود وقائع القضية إلى صيف 2018 بمنتجع “سان تروبيه”، حيث اتهمته شابة باعتدائه عليها جنسيا داخل غرفته بالفندق، في حين تمسك لمجرد بأن العلاقة كانت رضائية.
ويشكل منشور لمجرد ردا ضمنيا على تساؤلات طرحتها الصحافة حول مسيرته الفنية، وما إذا كانت قد انتهت بعد هذا الحكم، والذي سبقه حكم آخر صادر عام 2023 بفرنسا أيضا، قضى بسجنه ست سنوات نافذة في قضية اغتصاب وضرب شابة فرنسية، لورا بريول، في غرفة فندق بباريس في تشرين الأول/ أكتوبر 2016، قبيل حفله الفني الذي كان مقررا آنذاك.
وتقدم حينها دفاع لمجرد باستئناف ضد هذا الحكم، وكان من المقرر عقد جلسة الاستئناف في حزيران/ يونيو 2025، إلا أنه تم تأجيلها نظرا لوجود ملاحقات قضائية فرعية طالت المشتكية وأقارب لها بتهمة محاولة ابتزاز مالي للفنان، إذ أدين خمسة أشخاص، من بينهم والدة الشابة ومحاميتها، بتهمة طلب ثلاثة ملايين يورو لإسقاط الدعوى، بينما برئت المشتكية نفسها من تهمة الابتزاز.
وبالنسبة للفئة التي استهدفها لمجرد من خلال منشوره، وهي متابعوه وجمهوره العريض، فقد وجدوا أنفسهم أمام انقسام حاد وواضح في الآراء بخصوص “المعلم”، وتعمق هذا الانقسام بشكل كبير عقب صدور الحكم الأخير ضده.
وتحول الملف من قضية قانونية إلى سجال مجتمعي وثقافي وحقوقي بين تيارين رئيسيين، الأول يمثل المدافعين والمتعاطفين مع سعد لمجرد، الذين يرون أن النجم المغربي يتعرض لـ “حملة استهداف ممنهجة”، مستندين في دفاعهم إلى عدة مبررات، من بينها “نظرية المؤامرة واستهداف النجاح”، حيث يعتقدون أن هناك رغبة فرنسية أو غربية في “تدمير مسيرة فنان عربي ناجح” حقق أرقاما قياسية غير مسبوقة.
كما يشكك هذا التيار في رواية الضحايا من خلال التركيز على فكرة “الموافقة المبدئية”، معتبرا أن مرافقة الضحية للفنان إلى غرفته تعني القبول، وهو ما يفسرونه برغبة بعض الفتيات في الشهرة أو الابتزاز المالي، مستدلين بالتناقضات التي يرونها في القضايا المتعددة المرفوعة ضده.
ويبقى الجانب الأبرز لدى تيار المتعاطفين هو الدعم العاطفي والفني، إذ يرى المقربون وبعض الزملاء في الوسط الفني في لمجرد إنسانا “خلوقا وطيبا”، ويعتبرون أن أزمته “محنة” أو “مكيدة” تستوجب التضامن والمساندة والدعاء له ولعائلته، خاصة بعد تأثر زوجته وعائلته بشكل كبير داخل قاعة المحكمة.
وفي الجهة المقابلة، يقف التيار الحقوقي والرافض، وخاصة جزء من الحركات والتنظيمات النسوية وبعض النشطاء، الذين يرون أن الحكم خطوة ضرورية لتحقيق العدالة، ويستندون في ذلك إلى مبررات من قبيل “تعدد السوابق يمنع الصدفة”، في إشارة إلى أن الأمر لا يتعلق بحادثة معزولة، بل هناك تراكم للملفات والقضايا المماثلة، وهو ما ينفي، في نظرهم، فرضية المؤامرة ويؤكد وجود “نمط سلوكي متكرر”.
وردا على مسألة “الرضا والموافقة”، يشدد أصحاب التيار الرافض على أن “قبول الفتاة بشرب كأس أو الذهاب إلى الفندق لا يعني بأي حال من الأحوال موافقتها على إقامة علاقة جنسية”، وأن التراجع في أي لحظة هو حق مطلق للمرأة، وأي تجاوز لذلك يندرج تحت طائلة الاغتصاب والاعتداء.
وكما هو الحال منذ تفجر قضايا لمجرد أمام المحاكم، تتبنى حركات نسوية ونشطاء حقوقيون فكرة مقاطعة أعمال الفنان، ورفض استخدام النجومية والشهرة لتبرير أو “تبييض” الاعتداءات الجنسية، ويرون في الحكم انتصارا لكرامة الضحايا وكسرا لثقافة “لوم الضحية” المنتشرة في بعض المجتمعات.
ويرى عدد من المتتبعين أنه رغم صدور حكم السجن لخمس سنوات والغرامة المالية، البالغة 35 ألف يورو، فإن عدم إصدار المحكمة الفرنسية مذكرة توقيف فورية بحقه يعني أن هذا الانقسام سيستمر في الفضاء الرقمي والحقوقي لفترة طويلة، كما أن المسار الفني لسعد لمجرد سيبقى رهنا بما ستسفر عنه جلسات الاستئناف المقبلة في القضاء الفرنسي.

