السبت, مايو 23, 2026

الأكثر

الرئيسيةصحة وجمالبين ألزهايمر والميكروبيوتا .. كيف يؤثر زيت الزيتون في صحة الدماغ؟

بين ألزهايمر والميكروبيوتا .. كيف يؤثر زيت الزيتون في صحة الدماغ؟

السكة – صحة وجمال

تشكل الاضطرابات الذهنية وتدهور القدرات الإدراكية مع التقدم في العمر تحديا صحيا متزايدا يثقل كاهل الأنظمة الصحية حول العالم. فالخرف، بحسب منظمة الصحة العالمية في تحديثها المنشور عام 2025، يحتل المرتبة السابعة بين مسببات الوفاة عالميا، كما يعد من أبرز العوائق التي تحد من قدرة كبار السن على أداء أنشطتهم ومهامهم اليومية.

وتشير بيانات المنظمة إلى تسجيل نحو 57 مليون حالة خرف حول العالم، يشكل مرض ألزهايمر ما بين 60% و70% منها. وفي ظل غياب علاج فعال ومناسب للخرف حتى الآن، تتزايد أهمية البحث عن وسائل غذائية وحياتية قد تساعد في إبطاء تدهور الصحة الذهنية والحفاظ على وظائف الدماغ لأطول فترة ممكنة.

ينظر العلماء إلى النظام الغذائي بوصفه أحد المسارات المهمة لدعم الصحة العقلية والذهنية، وتقليل معدل التدهور الإدراكي المرتبط بالتقدم في السن. ومن بين المكونات الغذائية التي حظيت باهتمام بحثي واسع، يبرز زيت الزيتون، وخاصة زيت الزيتون البكر والممتاز، لما يحتويه من مركبات نشطة حيويا.

وفي هذا السياق، أجرى باحثون من إسبانيا والولايات المتحدة الأمريكية دراسة استشرافية على 656 شخصا من كبار السن، تراوحت أعمارهم بين 55 و75 عاما، بهدف تقييم تأثير استهلاك أنواع مختلفة من زيت الزيتون على الوظائف الإدراكية، ودراسة العلاقة المحتملة بين هذا التأثير وتنوع البكتيريا النافعة في الأمعاء، أو ما يعرف بالميكروبيوتا.

استمرت المتابعة عامين كاملين، وركزت الدراسة على كبار سن أكثر عرضة لتدهور الذاكرة والوظائف الذهنية مقارنة بغيرهم.

تابع اختصاصيو تغذية النظام الغذائي للمشاركين سنويا، باستخدام استبيانات غذائية اعتمدت على معايير مدرجة في جداول محتوى الأغذية الإسبانية. وركز الباحثون تحديدا على 3 أنواع من زيت الزيتون:

زيت الزيتون البكر وزيت الزيتون البكر الممتاز:

تبلغ حموضة زيت الزيتون البكر أقل من أو تساوي 2%، بينما لا تتجاوز حموضة زيت الزيتون البكر الممتاز 0.8%. ويتميز هذا النوع الأخير باحتوائه على نسب مرتفعة من الفينولات المتعددة، والتوكوفيرولات، وعدد من المركبات الحيوية النشطة. كما يتعرض لأقل قدر من المعالجة، مما يساعده على الاحتفاظ بمعظم مكوناته الفعالة.

زيت الزيتون المكرر:

تبلغ حموضته أقل من أو تساوي 0.3%، لكنه يخضع لعمليات معالجة تفقده غالبية مكوناته النشطة حيويا.

زيت ثفل الزيتون:

ينتج من الزيوت المستخلصة من مخلفات الزيتون بعد عصره، وتبلغ حموضته أقل من أو تساوي 0.3%.

وقُسم المشاركون إلى 3 مجموعات حسب إجمالي السعرات الحرارية التي حصلوا عليها من زيت الزيتون بأنواعه المختلفة: مجموعة منخفضة الاستهلاك، وأخرى متوسطة، وثالثة مرتفعة الاستهلاك.

اختبارات دقيقة لقياس الذاكرة والتركيز

قيّم الباحثون الوظائف الإدراكية للمشاركين عند بداية الدراسة، ثم أعادوا التقييم بعد عامين، مستخدمين مجموعة شاملة من الاختبارات العصبية والإدراكية. وشملت هذه الاختبارات:

اختبار الحالة العقلية المصغر، واختبار رسم الساعة، واختبار الطلاقة اللفظية، واختبار سعة الذاكرة من الأرقام، واختبار تتبع المسار.

كما جمع الباحثون عينات براز من المشاركين لتحليل تركيب بكتيريا الأمعاء، بهدف التعرف على أنواع البكتيريا الموجودة لديهم، ومعرفة ما إذا كانت تلعب دورا في العلاقة بين استهلاك زيت الزيتون وتحسن الوظائف الذهنية.

كشفت النتائج أن المشاركين الذين تناولوا الأنواع الثلاثة من زيت الزيتون ضمن فئة الاستهلاك الأعلى سجلوا تحسنا في الوظائف الإدراكية والعقلية الكلية والعامة، إلى جانب تحسن مستوى التركيز بعد عامين من المتابعة.

ويقصد بالوظائف الإدراكية الكلية الأداء العقلي للشخص في وقت معين، مثل الذاكرة واللغة والانتباه. أما الوظائف الإدراكية العامة فتعكس قدرة الدماغ التي تؤثر في المهارات العقلية المختلفة، مثل التعلم والتفكير وحل المشكلات.

كما لاحظ الباحثون أن التحسن كان مرتبطا بمقدار الجرعة؛ فكلما زادت كمية زيت الزيتون المستهلكة، زادت الفائدة الصحية المسجلة.

أما استهلاك زيت الزيتون البكر والبكر الممتاز، فارتبط بتحسن الوظائف الإدراكية العامة والكلية، إضافة إلى الوظائف التنفيذية، وهي المهارات الذهنية المسؤولة عن التحكم في التفكير وردود الفعل اليومية، إلى جانب تحسن المهارات اللغوية.

ووجد الباحثون أن مقدار التحسن الذهني زاد مع ارتفاع استهلاك زيت الزيتون البكر والممتاز. كما ظل هذا التحسن ثابتا حتى بعد إعادة تحليل النتائج باستخدام طرق وإستراتيجيات إحصائية مختلفة، مما يعزز قوة النتائج وموثوقيتها.

في المقابل، أظهرت النتائج أن استهلاك زيت ثفل الزيتون وزيت الزيتون المكرر ارتبط بانخفاض في مستوى الوظائف الإدراكية العامة والكلية، وكذلك الوظائف التنفيذية واللغوية.

اعتمادا على تحليل عينات البراز، حاول الباحثون فهم العلاقة بين بكتيريا الأمعاء وتأثير زيت الزيتون على الدماغ. وأشارت النتائج إلى أن زيت الزيتون قد يؤثر بشكل غير مباشر في صحة الدماغ عبر إحداث تغييرات إيجابية في توزيع وتنوع الميكروبيوم المعوي.

فقد ساعد زيت الزيتون البكر والممتاز على تعزيز نمو أحد أنواع البكتيريا النافعة في الأمعاء، المعروفة باسم الأدلركروتزيا. ووجد الباحثون أن هذه البكتيريا كانت مسؤولة عن نحو 20% من التأثير الكلي لزيت الزيتون على الوظائف الإدراكية.

ويرى الباحثون أن هذا التحسن في البيئة البكتيرية داخل الأمعاء انعكس إيجابا على مستويات الوظائف الإدراكية والذهنية لدى كبار السن خلال عامين من المتابعة.

وفي المقابل، لوحظت علاقة عكسية بين استهلاك زيت الزيتون المكرر وزيت ثفل الزيتون وتدهور القدرات الذهنية لدى المشاركين.

يرجع العلماء التأثير الملحوظ لزيت الزيتون البكر في الدماغ إلى احتوائه على نسب عالية من مركبات نشطة حيويا، أبرزها الفينولات المتعددة، مثل هيدروكسي تايروسول، وأولوروبين، والسيكوإيريدويدات.

وتتميز هذه المركبات بقدرتها على عبور الحاجز الدماغي الدموي، مما يسمح لها بالتأثير مباشرة في خلايا الدماغ. وتسهم هذه المركبات في تقليل الإجهاد التأكسدي، وتخفيف الالتهابات العصبية المرتبطة بزيادة خطر الإصابة بألزهايمر والأمراض التنكسية في الدماغ.

كما تساعد هذه المركبات على تثبيط تراكم بروتينات بيتا أميلويد، وتقليل تكوين بروتين تاو، وهما من البروتينات المرتبطة تحديدا بمرض ألزهايمر. ويتم ذلك من خلال تحفيز عملية الالتهام الذاتي، وهي آلية يستخدمها الجسم للتخلص من البروتينات الضارة بصحة الخلايا الدماغية.

ولا يقتصر تأثير زيت الزيتون على الدماغ بشكل مباشر، بل يمتد أيضا إلى الأمعاء، إذ يساعد على تعزيز نمو البكتيريا النافعة، وتثبيط نمو البكتيريا الضارة، مما يسهم في تقليل الالتهابات وتحقيق التوازن المعوي المطلوب.

كذلك تحفز المركبات الفينولية في زيت الزيتون البكر البكتيريا المعوية على إنتاج مركبات نشطة حيويا، مثل الأحماض الدهنية قصيرة السلسلة، التي تمتلك قدرة على تقليل الإجهاد التأكسدي والالتهابات العصبية، وتحسين النفاذية عبر الحاجز الدماغي الدموي.

وبذلك، تتكامل هذه الآليات في دعم الوظائف الذهنية والإدراكية، وحماية الخلايا العصبية من التلف.

رغم أهمية النتائج، يشير الباحثون إلى أن الدراسة لا تثبت وجود علاقة سببية مباشرة بين زيت الزيتون وتحسن الوظائف الإدراكية أو تغير الميكروبيوتا المعوية.

وتتمثل نقاط قوة الدراسة في التقييم الشامل للوظائف الإدراكية، والمتابعة التي امتدت لعامين، والمنهجية التفصيلية، والبيانات الدقيقة التي جُمعت عن المشاركين.

لكن في المقابل، تبقى هناك بعض القيود؛ منها احتمال وجود عوامل أخرى قد تؤثر على النتائج رغم ضبط العديد من المتغيرات، إلى جانب أن العينة اقتصرت على فئة تعيش في منطقة يكثر فيها استخدام زيت الزيتون، مما قد يحد من تعميم النتائج على مجتمعات أخرى.

كما لم تُجر مقارنة مباشرة بين زيت الزيتون وزيوت غذائية أخرى لمعرفة حجم التأثير الحقيقي، وهو ما يضعف النتائج جزئيا.

ولهذا أكد الباحثون أن هذه النتائج ما زالت في مراحلها المبكرة، وأوصوا بإجراء مزيد من الدراسات السريرية طويلة الأمد، بهدف تطوير إستراتيجيات غذائية جديدة تستهدف الحفاظ على صحة الدماغ والمهارات الذهنية عبر دعم البيئة البكتيرية في الأمعاء.

لم يقتصر الاهتمام العلمي بزيت الزيتون على كبار السن فقط. فقد نشرت مجلة Frontiers in Nutrition عام 2023 مراجعة منهجية هدفت إلى تقييم تأثير زيت الزيتون على الصحة الذهنية والإدراكية لدى الأشخاص دون سن 55 عاما.

راجع الباحثون نتائج 11 دراسة منشورة على منصات علمية موثوقة حتى أغسطس/آب 2023، وخلصوا إلى أن تناول زيت الزيتون ارتبط بتغيرات إيجابية في القدرات الإدراكية والذهنية مع مرور الوقت.

وشملت هذه التأثيرات تحسين صحة الدماغ، ودعم عمليات ذهنية مثل التذكر والانتباه والتحكم في ردود الأفعال، إضافة إلى تقليل خطر التدهور الإدراكي والمعرفي لدى الأشخاص الذين يواظبون على استهلاكه.

لكن هذه المراجعة أشارت أيضا إلى بعض القيود؛ إذ اعتمدت دراسات عدة على استبيانات غذائية ذاتية، ما يجعل البيانات عرضة للتحيز والخطأ.

كما وُجد تباين واسع بين الدراسات، حد من إمكانية إجراء تحليل تلوي دقيق. واشتملت معظم الدراسات على عدد محدود من التجارب السريرية العشوائية، مما يقلل من قدرة الباحثين على تعميم النتائج.

وفي مراجعة أخرى صدرت في يوليو/تموز 2023 في مجلة Antioxidants (Basel)، بحث علماء من مراكز بحثية وجامعات في إسبانيا وإيطاليا الدور الوقائي المحتمل لزيت الزيتون ومركباته الفينولية، خاصة هيدروكسي تايروسول، في مواجهة التدهور الإدراكي المرتبط بالتقدم في العمر.

وشملت المراجعة دراسات وبائية، ودراسات ما قبل سريرية، ودراسات سريرية وتجارب عشوائية.

وأظهرت النتائج أن المركبات الفينولية في زيت الزيتون قد تحمي الدماغ من التدهور الإدراكي عبر تقليل الإجهاد التأكسدي وتخفيف الالتهابات العصبية، خاصة في الدراسات ما قبل السريرية.

أما في الدراسات البشرية، فكانت الأدلة التي تربط مباشرة بين المركبات الفينولية المتعددة في زيت الزيتون وتحسن الإدراك محدودة وضعيفة نسبيا. وأشارت المراجعة إلى احتمال أن يكون تأثير زيت الزيتون على القلب والدماغ ضئيلا في بعض الحالات، لكنه قد يعتمد بدرجة كبيرة على كمية الزيت المستهلكة.

ولفت الباحثون إلى أن معظم الدراسات المشمولة لم تميز بوضوح بين أنواع زيت الزيتون، سواء كانت مكررة أو بكرا، وهو ما يجعل من الصعب تحديد مصدر الأثر الصحي الإيجابي.

كما افترضت بعض الدراسات أن النظام الغذائي للمشاركين بقي ثابتا خلال فترة البحث، في حين قد يكون المشاركون غيروا نمطهم الغذائي، وهو ما يضعف دقة النتائج وموثوقيتها.

وفي نوفمبر/تشرين الثاني 2025، كشفت مراجعة علمية حديثة عن آليات حيوية محتملة يمكن من خلالها لمركبات زيت الزيتون الفينولية أن تؤثر في مرض ألزهايمر.

وأوضحت المراجعة أن زيت الزيتون البكر الممتاز قد يخفف من الاختلالات الذهنية والإدراكية، ويقلل من المؤشرات المرضية المصاحبة لبعض الأمراض الإدراكية التنكسية، وعلى رأسها ألزهايمر.

وتشمل هذه التأثيرات تثبيط تراكم البروتينات الضارة، مثل أميلويد وتاو، وتخفيف الالتهابات العصبية، وتقليل الإجهاد التأكسدي، إضافة إلى تعزيز تكوّن خلايا عصبية جديدة.

واستندت هذه المراجعة إلى دراسات مخبرية وما قبل سريرية، أجراها باحثون من الصين ونشرت في مجلة Frontiers in Nutrition. وخلص الباحثون إلى ضرورة إجراء أبحاث بشرية مستقبلية للتأكد من هذه النتائج، ودراسة إمكانية تطوير تركيبات دوائية تعتمد على المركبات الفينولية الموجودة في زيت الزيتون، بهدف إبطاء تفاقم مرض ألزهايمر.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا