الإثنين, يونيو 1, 2026

الأكثر

الرئيسيةمحطة المقالاتوليد الهودلي.. حين يصبح القلم أسيراً لأن الرواية الفلسطينية ما زالت حيّة

وليد الهودلي.. حين يصبح القلم أسيراً لأن الرواية الفلسطينية ما زالت حيّة

السكة – محطة المقالات – ثامر سباعنة

في زمن تتصارع فيه الروايات قبل أن تتصارع الجيوش، ويصبح الوعي ميداناً لا يقل خطورة عن ساحات المواجهة، يبرز اسم الكاتب الفلسطيني وليد الهودلي بوصفه واحداً من أهم الأصوات الثقافية الفلسطينية التي كرّست حياتها للدفاع عن الإنسان الفلسطيني وروايته الوطنية، مستنداً إلى تجربة شخصية عميقة عاشها بين جدران السجون الإسرائيلية، ومترجماً تلك التجربة إلى أدب وفكر وسردية شكلت جزءاً من الذاكرة الوطنية الفلسطينية.

ولد وليد الهودلي في مخيم الجلزون شمال مدينة رام الله، وعاش تجربة اللجوء وما رافقها من تحولات سياسية واجتماعية شكلت وعيه المبكر. ومع سنوات شبابه وجد نفسه في قلب المواجهة مع الاحتلال، ليمضي سنوات طويلة في السجون الإسرائيلية، حيث تحولت الزنازين إلى مدرسة للمعرفة والتأمل والكتابة.

لم يكن الهودلي مجرد أسير سابق يروي ذكرياته، بل تحول إلى مشروع ثقافي متكامل حمل على عاتقه توثيق تجربة الأسرى الفلسطينيين ونقلها إلى الأجيال المختلفة. ومن خلال عشرات الأعمال الأدبية والروائية استطاع أن يفتح نافذة واسعة على العالم الخفي للسجون، مقدماً صورة إنسانية عميقة عن الأسرى ومعاناتهم وصمودهم وتفاصيل حياتهم اليومية.

تُعد رواية “ستائر العتمة” من أبرز أعماله وأكثرها تأثيراً، حيث نقلت للقارئ أجواء التحقيق والاعتقال والصراع النفسي الذي يعيشه الأسير الفلسطيني. كما قدم أعمالاً أخرى تناولت قضايا الاحتلال ومحاولات اختراق المجتمع الفلسطيني، وساهمت في كشف أساليب السيطرة والقمع التي يمارسها الاحتلال بحق الفلسطينيين.

تميز نهج الهودلي الأدبي بالجمع بين التوثيق والإبداع، فلم يكن يكتب من موقع الراوي البعيد، بل من موقع الشاهد الذي عاش التجربة واختبر تفاصيلها. ولذلك اكتسبت كتاباته مصداقية عالية وجعلت منه مرجعاً مهماً في أدب الأسرى الفلسطينيين.

لم تقتصر مساهماته على الكتابة الروائية فحسب، بل امتدت إلى النشاط الثقافي والتربوي والاجتماعي، حيث شارك في العديد من المبادرات والمؤسسات الثقافية، وسعى إلى ترسيخ ثقافة الوعي والمعرفة باعتبارها أحد أهم أدوات الصمود الوطني.

واليوم يعود اسم وليد الهودلي إلى واجهة الأحداث بعد اعتقاله مجدداً من قبل سلطات الاحتلال الإسرائيلي وإخضاعه للاعتقال الإداري، وهو شكل من أشكال الاعتقال الذي يسمح باحتجاز الفلسطينيين لفترات طويلة دون توجيه تهم واضحة أو محاكمة عادلة، استناداً إلى ملفات سرية لا يُسمح للمعتقل أو محاميه بالاطلاع عليها.

إن اعتقال وليد الهودلي لا يمكن قراءته بوصفه إجراءً أمنياً عادياً، بل يأتي في سياق أوسع يتعلق باستهداف المثقف الفلسطيني ومحاولة إضعاف دوره في تشكيل الوعي الجمعي. فالمثقف القادر على صياغة الرواية الوطنية ونقلها إلى الأجيال يمثل تحدياً حقيقياً للمشروع الاستعماري الذي يسعى دائماً إلى فرض روايته الخاصة للأحداث والتاريخ.

لقد أدرك الاحتلال منذ سنوات طويلة أن معركة السيطرة على الأرض لا تنفصل عن معركة السيطرة على الوعي، ولذلك استهدف المعلمين والكتاب والأكاديميين والصحفيين والمؤسسات الثقافية، في محاولة لإضعاف الحاضنة الفكرية للمجتمع الفلسطيني. وفي هذا السياق يبدو اعتقال الهودلي جزءاً من معركة أوسع تستهدف الذاكرة الفلسطينية والسردية الوطنية التي عمل على بنائها وتوثيقها طوال عقود.

فالكاتب الذي وثّق تجربة الأسرى وكشف تفاصيل المعاناة خلف القضبان لا يُنظر إليه فقط باعتباره فرداً، بل باعتباره حاملاً لرواية كاملة تتحدى الرواية الرسمية للاحتلال. ومن هنا يصبح استهدافه استهدافاً للفكرة التي يحملها، وللشهادات التي وثقها، وللوعي الذي ساهم في تشكيله.

ورغم أن الاعتقال الإداري يستطيع أن يقيد الجسد، إلا أنه يعجز عن اعتقال الفكرة أو مصادرة الذاكرة. فالتجارب الإنسانية الكبرى أثبتت أن الكلمة الصادقة تبقى حية حتى عندما يُزج أصحابها في السجون. وقد تحول كثير من الأسرى والكتاب عبر التاريخ إلى رموز ثقافية ووطنية لأن محاولات إسكاتهم منحت أفكارهم انتشاراً أوسع وحضوراً أعمق.

يبقى وليد الهودلي نموذجاً للمثقف الفلسطيني الذي لم يفصل بين الكلمة والموقف، وبين الأدب والالتزام الوطني.

ومن خلال تجربته الطويلة في الكتابة والأسر والنشاط الثقافي، جسّد صورة الكاتب الذي حمل قضيته في قلبه وقلمه معاً ، ولذلك فإن قضيته اليوم تتجاوز شخصه لتصبح جزءاً من معركة أوسع حول الحق في الرواية والذاكرة والوعي، وهي معركة ما زالت مفتوحة بين شعب يسعى إلى حماية قصته الوطنية واحتلال يحاول إعادة رواية تلك القصة وفق رؤيته ومصالحه.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا