السكة – المحطة الفلسطينية
إذا كان هناك طرف خرج مطمئنًا من المؤتمر العام الثامن لحركة فتح، فهو إسرائيل. فبينما رُوّج للمؤتمر باعتباره بوابة للإصلاح والتجديد، جاءت نتائجه – بحسب دراسة صادرة عن معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي – لتؤكد أن كل شيء سيبقى على حاله، وأن سلطة محمود عباس ما زالت ممسكة بكل مفاصل الحركة، في مشهد أثار ارتياحًا واضحًا لدى الأوساط الإسرائيلية.
وترى الدراسة أن المؤتمر لم يكن مناسبة لمراجعة الإخفاقات السياسية أو محاسبة المسؤولين عن تراجع شعبية الحركة، بل تحول إلى منصة لإعادة إنتاج القيادة ذاتها، وتوزيع المناصب بين الحلقة الضيقة المحيطة بعباس، فيما غابت أي مراجعة حقيقية لمسار اتفاق أوسلو، أو أداء السلطة وأجهزتها الأمنية، أو أسباب اتساع الفجوة بينها وبين الشارع الفلسطيني.
إصلاح على المقاس
وبحسب الدراسة، استفاد عباس من سيطرته الكاملة على المؤسسات التنظيمية وآليات اتخاذ القرار لعقد مؤتمر شارك فيه أكثر من 2500 عضو، بينهم عدد كبير من المنتسبين الجدد، في خطوة اعتبرها منتقدون وسيلة لضمان نتائج محسومة سلفًا، لا تعكس ميزان القوى الحقيقي داخل الحركة.
ولم يحمل المؤتمر أي مفاجآت؛ فقد أُعيد انتخاب عباس رئيسًا للحركة بالإجماع ومن دون منافس، بينما احتفظ المقربون منه بالغالبية داخل اللجنة المركزية، بما يضمن استمرار النهج ذاته وإغلاق الباب أمام أي تغيير حقيقي.
كما أشارت الدراسة إلى أن العملية الانتخابية رافقتها اتهامات واسعة بالتلاعب وغياب الشفافية، مع الحديث عن قوائم جاهزة أُعدت مسبقًا لضمان صعود الشخصيات الموالية وإقصاء الأصوات غير المرغوب فيها.
محسوبية تتغلب على صناديق الاقتراع
ومن أبرز الوقائع التي سلطت الدراسة الضوء عليها، احتجاج القيادي الفتحاوي فارس قدورة، الذي أكد حصوله على أصوات تفوق تلك التي نالها رئيس الوزراء الفلسطيني الأسبق محمد اشتية، لكنه استُبعد من عضوية اللجنة المركزية، بينما احتفظ اشتية بمقعده.
كما أثار عدم فوز حسام زملط، ممثل منظمة التحرير الفلسطينية في لندن، تساؤلات حول نزاهة عملية التصويت وفرز الأصوات، في وقت أعلن فيه عدد من كوادر الحركة مغادرتها احتجاجًا على ما وصفوه بانعدام العدالة داخل المؤتمر.
العائلة أولًا… والسلطة دائمًا
وتشير الدراسة إلى أن نتائج المؤتمر كرّست استمرار هيمنة التحالف الأمني والإداري المحيط بعباس، بعد انتخاب رئيس جهاز المخابرات العامة ماجد فرج، إلى جانب حسين الشيخ، ومحمود العالول، وأحمد حلس، وغيرهم من رموز القيادة الحالية.
وأثار انتخاب ياسر عباس، نجل رئيس السلطة، انتقادات واسعة، إذ رأى معارضون أن المشهد يعكس تغول المحسوبية والنفوذ العائلي داخل مؤسسات الحركة، ويعزز المخاوف من انتقال النفوذ السياسي عبر الروابط العائلية بدلًا من الاحتكام إلى الكفاءة أو الإرادة التنظيمية.
لا مراجعة… ولا تغيير
ورغم الشعارات التي سبقت انعقاد المؤتمر، لم يناقش المشاركون مستقبل اتفاق أوسلو، ولا أداء الأجهزة الأمنية، ولا سبل استعادة ثقة الشارع الفلسطيني، كما لم يخرج المؤتمر بأي رؤية سياسية جديدة للتعامل مع الاحتلال أو مواجهة الأزمات الداخلية.
وترى الدراسة أن الحديث عن “الإصلاح” اقتصر على إجراءات شكلية هدفت إلى إرضاء الجهات الدولية المانحة، بينما انصبت الأولوية الفعلية على تثبيت مراكز النفوذ، وترتيب مرحلة ما بعد عباس داخل الدائرة ذاتها، دون المساس ببنية النظام القائم.
إسرائيل الأكثر اطمئنانًا
وخلصت الدراسة إلى أن المؤتمر الثامن لم يحقق أي اختراق على مستوى التجديد السياسي أو الوحدة الداخلية، بل انتهى إلى تثبيت موازين القوى القائمة وإعادة تدوير الوجوه نفسها، وهو ما اعتبرته الأوساط الإسرائيلية مؤشرًا على استمرار النهج الذي اعتادت التعامل معه.
وفي ظل هذه النتائج، يزداد الجدل داخل الساحة الفلسطينية حول مستقبل حركة فتح، بعدما رأى منتقدون أن المؤتمر لم يكن سوى مناسبة لتوزيع المناصب وتكريس الولاءات، فيما ذهب آخرون إلى وصفه بأنه “جنازة سياسية” للحركة، بعدما غاب عنه الإصلاح، وحضرت فيه المحسوبية، وغاب التغيير، بينما بقيت السلطة كما هي… لا تسمع إلا صوتها

