السكة – محطة عرب تكساس
تواجه ولاية تكساس ضغوطًا قانونية متصاعدة لاتخاذ إجراءات عاجلة لمعالجة أزمة الحرارة القاسية داخل سجونها، في ظل موجات الصيف الحار التي تعرّض آلاف السجناء لمعاناة شديدة وأمراض خطيرة، بل ووفاة بعضهم، وفق دعاوى قضائية وتقارير حقوقية.
وتعرضت إدارة العدالة الجنائية في تكساس (TDCJ)، وهي الجهة المسؤولة عن إدارة عشرات السجون في الولاية، لدعوى قضائية جديدة بالقتل الخطأ رفعتها عائلة السجين جيسون ويلسون، الذي عُثر عليه متوفى داخل زنزانة انفرادية في وحدة كوفيلد في يوليو/تموز 2024.
وتتهم الدعوى، المقدمة أمام محكمة فيدرالية بمدينة هيوستن، السلطات بالتسبب في وفاة ويلسون عبر إبقائه في زنزانة “شديدة الحرارة ومن دون تكييف”، مؤكدة أن حرمانه من مياه باردة وحمامات مناسبة، إلى جانب غياب أجهزة التبريد وعدم إجراء فحوصات منتظمة لحالته الصحية، تسبب له في “معاناة قاسية انتهت بوفاته”.
ووصفت الدعوى تصرفات السلطات بأنها تعكس “إهمالًا متعمدًا” و”تمييزًا مقصودًا”، مشيرة إلى أن ظروف الاحتجاز شكلت عقوبة قاسية وغير إنسانية مخالفة للدستور الأمريكي.
أكثر من 85 ألف سجين في زنازين بلا تكييف
تأتي هذه القضية في وقت تنتظر فيه تكساس حكمًا في دعوى فيدرالية منفصلة رفعتها منظمات حقوقية تطالب بإلزام الولاية بتركيب أنظمة تكييف هواء في جميع سجونها خلال ثلاث سنوات.
ومن المتوقع صدور قرار المحكمة خلال الأشهر المقبلة، بينما تستمر موجات الحر الشديدة في ضرب منشآت السجون في أنحاء الولاية.
وتضم سجون تكساس نحو 141 ألف سجين، يعيش أكثر من 85 ألفًا منهم في زنازين تفتقر إلى أجهزة تكييف، حيث تتجاوز درجات الحرارة الداخلية في أشهر الصيف أحيانًا 115 درجة فهرنهايت (46 درجة مئوية)، بينما سجلت بعض المنشآت درجات وصلت إلى 149 درجة فهرنهايت.
ويحذر خبراء من أن التعرض لهذه المستويات من الحرارة قد يؤدي إلى انهيار جسدي ونفسي، خصوصًا لدى السجناء الذين يعانون أمراضًا مزمنة أو ظروفًا صحية تجعلهم أكثر عرضة للإصابة بضربات الشمس القاتلة.
“محاولات يائسة للبقاء على قيد الحياة”
وتشير شهادات نقلتها جهات مدافعة عن حقوق السجناء إلى أن بعض المعتقلين يلجأون إلى وسائل يائسة للتخفيف من الحر، من بينها سكب مياه المراحيض على أرضيات الزنازين الخرسانية والاستلقاء عليها بحثًا عن بعض البرودة.
وتقر إدارة العدالة الجنائية في تكساس بوقوع ثلاث وفيات مرتبطة بالحرارة داخل السجون عام 2023، لكنها تنفي تسجيل أي وفيات مماثلة منذ ذلك الحين.
وكان أحد هؤلاء الضحايا، باتريك ووماك (50 عامًا)، قد عُثر عليه فاقدًا للوعي في زنزانته عام 2023، بعدما بلغت درجة حرارة جسمه الداخلية 106.9 درجة فهرنهايت.
وفاة ويلسون تعيد فتح ملف الظروف القاسية
في وحدة كوفيلد، حيث توفي جيسون ويلسون، سجلت سجلات الحرارة داخل السجن درجة بلغت 107 درجات فهرنهايت في اليوم السابق لوفاته.
كما شهدت مقاطعة أندرسون، حيث يقع السجن، درجات حرارة تجاوزت 100 درجة فهرنهايت في 17 يومًا من أصل 30 يومًا خلال شهر يونيو، مع احتمال ارتفاع الحرارة داخل المباني أكثر من الخارج، خصوصًا خلال الليل.
وقالت بريتاني روبرتسون، وهي ناشطة تتابع أوضاع مئات السجناء في تكساس، إنها تلقت خلال الأيام الأخيرة شكاوى من معتقلين بشأن نقص المياه الباردة، مؤكدة أن “حمامات التبريد” المتوفرة لا تقدم مياهًا باردة بما يكفي لخفض حرارة الجسم.
وأضافت أن الوضع يزداد سوءًا بسبب انقطاعات الكهرباء والمياه في بعض المنشآت.
ونقل التقرير رسالة من أحد السجناء في وحدة كوفيلد يدعى جيمس، قال فيها إنه قضى 20 ساعة دون مياه جارية أو مرحاض، مشيرًا إلى غياب دوريات الحراس وعدم تدخل الإدارة لحل المشكلة.
العائلة تطالب بالعدالة لا بالتعويضات
كان ويلسون يقضي 23 ساعة يوميًا في الحبس الانفرادي، وكان يعاني من ظروف صحية، بينها السمنة، ما جعله ضمن الفئات التي يفترض أن تخضع لمتابعة مكثفة خلال موجات الحر.
لكن في الليلة التي سبقت وفاته، لم يُجرِ الضابط المكلف آخر فحص صحي له، مبررًا ذلك لاحقًا بنقص عدد الموظفين وشعوره بالإرهاق بسبب الحرارة.
وقال والد ويلسون، روني ويلسون، إنه لم يكن يعلم بحجم المعاناة التي كان يعيشها ابنه إلا بعد وفاته، مضيفًا أنه عندما بدأ البحث في ظروف السجن علم أن الموظفين يطلقون على المنشأة اسم “البيت الزجاجي” بسبب تعرضها المباشر لأشعة الشمس.
وأكد الأب أن هدفه ليس الحصول على المال، بل تحقيق العدالة وإجبار الولاية على إجراء تغييرات حقيقية.
وقال:
“ابني حُكم عليه بسبب ما فعله، لكنه لم يُحكم عليه بالإعدام. لم يكن من المفترض أن يعاني بهذه الطريقة، وكأنه يُقتل ببطء”.
أزمة مرشحة للتفاقم مع تغير المناخ
ويرى خبراء أن أزمة الحرارة داخل سجون تكساس مرشحة للتفاقم مع ارتفاع درجات الحرارة بسبب تغير المناخ، إذ تشير تقديرات مناخية إلى أن الولاية قد تشهد زيادة إضافية تصل إلى 5.1 درجات فهرنهايت (2.8 درجة مئوية) بحلول عام 2050.
وتقدر تكلفة تركيب أجهزة تكييف في جميع سجون الولاية بنحو 1.3 مليار دولار، وهو مبلغ يقل كثيرًا عن احتياطي الطوارئ المالي للولاية البالغ نحو 27 مليار دولار.
لكن استخدام هذا الاحتياطي يتطلب موافقة ثلثي أعضاء الهيئة التشريعية في تكساس.
وتقول المحامية إيريكا غروسمن، التي تمثل المدعين في القضيتين، إن سلطات السجون تواصل التقليل من حجم الأزمة، مؤكدة أن الحصول على التمويل يتطلب اعترافًا رسميًا بخطورة الظروف الحالية.
وأضافت:
“لقد سمحت الولاية لسنوات بظروف قاسية وغير دستورية داخل الزنازين، وبدلًا من تحمل المسؤولية، استمرت في إنكار المشكلة. السجناء في الحبس الانفرادي، مثل جيسون ويلسون، يتم التعامل معهم وكأنهم يُتركون ليُطهوا ببطء تحت الحرارة”.
المصدر: صحيفة الغارديان

