الإثنين, يوليو 20, 2026

الأكثر

الرئيسيةالمحطة الرئيسية"بن غفير وسموتريتش" حسابات اليمين المتطرف بين الحفاظ على السلطة وإدارة التناقضات

“بن غفير وسموتريتش” حسابات اليمين المتطرف بين الحفاظ على السلطة وإدارة التناقضات

السكة – المحطة الفلسطينية – اسرائيليات

أثار  التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار في غزة، والذي كشف عنه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قبل أن تؤكده الحكومة الإسرائيلية، موجة من التكهنات بشأن مستقبل الائتلاف الحاكم في إسرائيل. فقد بدا، للوهلة الأولى، أن الاتفاق يضع رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو أمام أخطر اختبار سياسي منذ تشكيل حكومته في ديسمبر/كانون الأول 2022، خاصة في ظل التهديدات المتكررة التي أطلقها وزير المالية بتسلئيل سموتريتش ووزير الأمن القومي إيتمار بن غفير بإسقاط الحكومة إذا وافقت على أي تسوية لا تحقق ما يصفانه بـ”الحسم الكامل” ضد حركة حماس.

إلا أن تلك التهديدات لم تتحول إلى خطوات عملية، واستمر الوزيران في الحكومة رغم انتقاداتهما العلنية للاتفاق. ويكشف هذا التباين بين الخطاب والممارسة عن طبيعة اليمين الإسرائيلي الحاكم، حيث تخضع المواقف الأيديولوجية، في كثير من الأحيان، لحسابات تتعلق بتوازنات السلطة، واستمرار النفوذ، وإدارة العلاقة مع نتنياهو.

ائتلاف يقوم على تبادل المصالح

تشكلت الحكومة الحالية بوصفها الأكثر يمينية في تاريخ إسرائيل، معتمدة على تحالف بين حزب الليكود والأحزاب الدينية والقومية المتشددة، وفي مقدمتها حزب “الصهيونية الدينية” بقيادة سموتريتش، وحزب “عوتسما يهوديت” بقيادة بن غفير. وقد منح نتنياهو شريكيه صلاحيات غير مسبوقة؛ إذ تولى سموتريتش، إلى جانب وزارة المالية، مسؤوليات واسعة في إدارة الشؤون المدنية بالضفة الغربية، بينما حصل بن غفير على نفوذ كبير داخل جهاز الشرطة ووزارة الأمن القومي.

هذه الصلاحيات جعلت بقاء الحكومة مصلحة مشتركة لجميع أطراف الائتلاف، إذ إن انهيارها لا يعني فقط فقدان المناصب، وإنما أيضًا خسارة أدوات التأثير في ملفات استراتيجية مثل الاستيطان، وإدارة الضفة الغربية، وإصلاح المنظومة القضائية، والسياسات الأمنية.

تهديدات للاستهلاك السياسي

منذ اندلاع الحرب، استخدم الوزيران التهديد بالانسحاب كورقة ضغط على نتنياهو كلما اقتربت الحكومة من مفاوضات تبادل الأسرى أو وقف إطلاق النار. لكن التجربة أظهرت أن هذه التهديدات كانت تهدف أساسًا إلى رفع كلفة أي تنازل سياسي، وليس إلى إسقاط الحكومة فعليًا.

ويعكس ذلك إدراكًا لدى قادة اليمين المتطرف بأن تأثيرهم الحقيقي يكمن في بقائهم داخل دائرة صنع القرار. فالانسحاب كان سيمنح نتنياهو فرصة لإعادة تشكيل ائتلاف بديل إذا أمكن، أو الذهاب إلى انتخابات مبكرة قد تفضي إلى حكومة أكثر اعتدالًا، وهو سيناريو لا يخدم مصالحهم السياسية أو الأيديولوجية.

نتنياهو وإدارة التوازنات

نجح نتنياهو، طوال سنواته في الحكم، في إدارة ائتلافات متناقضة عبر توزيع مراكز القوة، وتأجيل الخلافات الجوهرية، وتقديم تنازلات تكتيكية لشركائه. وفي أزمة وقف إطلاق النار، بدا أنه اتبع النهج ذاته، فحرص على طمأنة اليمين المتطرف بأن الاتفاق لا يعني إنهاء الحرب أو التخلي عن أهدافها المعلنة، مع التأكيد على أن إسرائيل تحتفظ بحقها في استئناف العمليات العسكرية إذا اقتضت الضرورة.

هذه الرسائل سمحت لسموتريتش وبن غفير بالحفاظ على خطابهما المتشدد أمام قواعدهما الانتخابية، دون الاضطرار إلى تنفيذ تهديدات قد تؤدي إلى فقدان نفوذهما داخل الحكومة.

الحسابات الانتخابية

لا يمكن فصل قرار البقاء عن المشهد السياسي الداخلي. فاستطلاعات الرأي التي نُشرت منذ اندلاع الحرب أظهرت تراجع شعبية الائتلاف الحاكم مقارنة بنتائج انتخابات 2022، مع استمرار حالة الاستقطاب داخل المجتمع الإسرائيلي بشأن إدارة الحرب، ومستقبل غزة، ومسؤولية الحكومة عن إخفاقات السابع من أكتوبر.

وفي مثل هذا المناخ، لا تبدو الانتخابات المبكرة خيارًا مضمون النتائج لأي من أحزاب الائتلاف، بما فيها أحزاب اليمين المتطرف. ولذلك، فإن الحفاظ على الحكومة يمنح هذه الأحزاب فرصة لاستكمال مشاريعها السياسية، وتأجيل الاحتكام إلى صناديق الاقتراع حتى تتغير البيئة السياسية.

العامل الأمريكي

لا يمكن أيضًا تجاهل تأثير الضغوط الأمريكية في إدارة الأزمة. فقد مارست واشنطن، منذ أشهر، ضغوطًا متواصلة لدفع إسرائيل نحو اتفاق يفضي إلى وقف إطلاق النار وتبادل الأسرى، مع ربط ذلك بترتيبات إقليمية أوسع تشمل إعادة إعمار غزة، وتعزيز مسار التطبيع بين إسرائيل وبعض الدول العربية.

وبالنسبة لنتنياهو، كان تجاهل هذه الضغوط يحمل كلفة استراتيجية قد تؤثر في العلاقة مع الحليف الأمريكي، بينما أدرك شركاؤه في اليمين أن قدرتهم على تعطيل هذا المسار ليست مطلقة، وأن هامش المناورة يبقى محدودًا في ظل الاعتماد الإسرائيلي على الدعم الأمريكي سياسيًا وعسكريًا.

الخلاصة

تكشف أزمة وقف إطلاق النار أن استقرار الحكومة الإسرائيلية لا يعتمد فقط على التوافق الأيديولوجي بين مكوناتها، بل على شبكة معقدة من المصالح السياسية والمؤسسية. فقرار سموتريتش وبن غفير البقاء في الائتلاف لم يكن تراجعًا عن مواقفهما المعلنة، بل تعبيرًا عن براغماتية سياسية توازن بين الالتزام الأيديولوجي ومتطلبات البقاء في السلطة.

ومن المرجح أن يستمر هذا النمط في إدارة العلاقة داخل الائتلاف خلال المرحلة المقبلة؛ إذ سيواصل اليمين المتطرف استخدام التهديد بالانسحاب وسيلةً للضغط ورفع سقف مطالبه، دون الوصول إلى نقطة الانفصال، ما دام بقاؤه داخل الحكومة يضمن له نفوذًا أكبر من أي مكاسب قد يحققها من مقاعد المعارضة. وفي هذا السياق، تبدو قدرة نتنياهو على الحفاظ على تماسك ائتلافه مرتبطة باستمرار نجاحه في إدارة هذه التناقضات، أكثر من ارتباطها بوجود توافق حقيقي بين شركائه حول مستقبل الحرب أو التسوية السياسي

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا