الإثنين, سبتمبر 7, 2026

الأكثر

الرئيسيةمحطة المقالاتعندما يتطاول العابرون على أصحاب التاريخ

عندما يتطاول العابرون على أصحاب التاريخ

السكة – محطة المقالات- كتب جمال فاخوري 

لم تكن الجبهة الشعبية يوماً دكاناً، ولن يحولها إلى دكان عابرٌ احتمى بوظيفة، أو خطيبٌ اعتاد أن يقيس قيمة الناس بمقدار قربهم من باب السلطان.
الدكاكين تُفتح بقرار، وتُغلق بقرار، ويقف أصحابها خلف الصندوق ينتظرون الزبائن، أما التنظيمات التي وُلدت من قلب الهزيمة، ودفعت قادتها شهداء وأسراها أعماراً كاملة، فلا يملك موظف عابر أن يمنحها شهادة وطنية أو يسحبها منها.

من يصف تنظيماً فلسطينياً عريقاً بأنه «دكان صغير» يكشف حجم قاموسه، لا حجم التنظيم الذي يشتمه. الكلمات لا تصغر الكبار، لكنها تفضح الصغار الذين ينطقون بها. والتاريخ لا يعيد ترتيب صفحاته كلما صعد انتهازي إلى منبر، ولا يحذف أسماء الذين صنعوا الوعي الفلسطيني لأن تاجراً في سوق السياسة ضاق صدره بموقف لا يستطيع شراءه أو تطويعه.

في هذه «الدكانة» التي يتطاول عليها أصحاب المكاتب، كان الحكيم، الرجل الذي غادر عيادته ليحمل جرح فلسطين، ولم يبع موقفه مقابل منصب، ولم يغير لغته كلما تغير الحاكم أو تبدلت الريح. وفيها كان غسان كنفاني، الذي لم يحتج إلى منبر رسمي كي يصل صوته إلى العالم، فكانت كلماته أشد حضوراً من خطب السلطة كلها، وكان حبره أخطر على الاحتلال من بيانات كثيرة كُتبت بحسابات الوظيفة والخوف.

وفي هذه «الدكانة» وقفت ليلى خالد أمام العالم، لا بصفتها موظفة تنتظر راتباً أو مرسوماً، بل امرأة فلسطينية حملت قضيتها ووضعتها في وجه العالم كله. وفيها كان وديع حداد، الذي يمكن الاختلاف معه ومع أدواته وخياراته، لكن لا يستطيع أحد إنكار أنه عاش لفكرة اعتقد بها، ولم يجعل من فلسطين سلماً يصعد عليه إلى القصور.

هذه الأسماء ليست أصناماً، والجبهة ليست فوق النقد، ولا يوجد تنظيم فلسطيني يمتلك حصانة من المساءلة. يمكن نقد برنامجها، ومراجعة تجربتها، ومحاسبة قيادتها، والسؤال عن حضورها وغيابها وأخطائها وتراجعها. لكن النقد شيء، والتطاول شيء آخر. النقد يصدر عن عقل سياسي، أما الإهانة فتصدر غالباً عن عجز صاحبها عن مواجهة الحجة بالحجة والموقف بالموقف.

المسألة ليست دفاعاً أعمى عن تنظيم، بل دفاع عن الحد الأدنى من الأخلاق الوطنية. من يجلس في موقع عام، ويتحدث من خلف صفة رسمية، لا يعود مالكاً لكلماته وحده. كلماته تصبح جزءاً من خطاب المؤسسة التي يمثلها. وعندما يستخدم ذلك الموقع لإهانة فصيل مؤسس في منظمة التحرير، فإن الإهانة لا تعود زلة لسان، بل تتحول إلى سؤال سياسي كبير عن طبيعة النظرة إلى الشركاء، وعن معنى الوحدة التي يتحدثون عنها في المناسبات، ثم يذبحونها على المنابر.

لا يستطيع من حوّل السياسة إلى مهنة، والدين إلى غطاء، والمنبر إلى منصة لتصفية الحسابات، أن يعلّم الآخرين الوطنية. الوطنية لا تُقاس بطول الوقوف خلف المسؤول، ولا بعدد المرات التي يصفق فيها المرء للقرار قبل أن يعرف مضمونه. الوطنية تُقاس بقدرة الإنسان على قول «لا» عندما تصبح «نعم» تجارة، وبقدرته على الوقوف مع شعبه عندما تكون كلفة الوقوف باهظة.

الجبهة الشعبية، مهما كانت الملاحظات على حاضرها، ليست ملكاً لقيادتها الحالية وحدها. إنها جزء من ذاكرة شعب، ومن تاريخ حركة تحرر، ومن حكاية الأسرى والشهداء والمنفيين والمطاردين. ومن يتطاول عليها لا يتطاول على مكتب سياسي أو بيان انتخابي فحسب، بل يمد لسانه إلى دم أبي علي مصطفى، وإلى زنزانة أحمد سعدات، وإلى قلم غسان كنفاني، وإلى جيل كامل آمن بأن فلسطين أكبر من الوظائف وأطول عمراً من أصحابها.

أما الحديث عن «الدكاكين»، فهو يفتح باباً لا نظن أن قائله يريد فتحه. فمن حق الناس عندئذ أن يسألوا عن الدكان الحقيقي، هل هو التنظيم الذي قدّم الشهداء والأسرى ورفض المقايضة على موقفه، أم المؤسسة التي توزع المقاعد والمناصب والمخصصات، وتغضب ممن يرفض عروضها، ثم ترسل خطباءها لتأديب الخارجين عن طابور الطاعة؟

ومن حق الناس أن يسألوا أيضاً، من الذي يتصرف بعقلية صاحب الدكان، من يقول إن منظمة التحرير بيت لجميع الفلسطينيين، أم من يتعامل معها كأنها ملكية خاصة، يفتح أبوابها لمن يرضى عنه، ويهدد بإغلاقها في وجه من يخالفه، ويوزع مواقعها كما يوزع التاجر حصص الأرباح على الشركاء؟

الجبهة لا تحتاج إلى شهادة حسن سلوك من موظف، ولا تحتاج إلى صك وطني من خطيب يعرف جيداً أين يقف ومتى يصفق ولمن يوجه غضبه. تاريخها سبق وظيفته، وسيبقى بعدها. أما المواقع التي تمنح أصحابها وهماً بالحجم، فإنها تزول، ويبقى ما قاله الإنسان وما فعله عندما كان قادراً على الاختيار.

كان الأولى بمن يتحدث باسم مؤسسة الرئاسة أن يحفظ لسانه، وأن يدرك أن الخلاف السياسي لا يمنحه حق إهانة فصيل فلسطيني، وأن العمامة لا تمنح صاحبها حصانة أخلاقية، كما أن القرب من الحاكم لا يصنع من المرء قائداً. الأدب السياسي لا يعني الصمت عن الاختلاف، بل يعني معرفة الحدود الفاصلة بين الرد والسباب، وبين القوة والوقاحة، وبين الدفاع عن الموقف والتحريض على الشركاء.

ولأن صاحب الكلام يمثل من يمثله، يصبح الصمت على كلامه قبولاً ضمنياً به. المطلوب توضيح صريح، هل أصبحت الفصائل المؤسسة لمنظمة التحرير «دكاكين» في نظر القيادة، وهل تحول الاختلاف بشأن الانتخابات والتحالفات إلى جريمة تستوجب الإهانة؟ وإذا كان هذا الكلام موقفاً شخصياً، فلماذا يُقال من منبر رسمي وتحت صفة رسمية؟ وإذا كان موقفاً سياسياً، فليملك أصحابه الشجاعة ويعلنوه بلا أقنعة.

نقول لصاحب العبارة بوضوح، تعلّم الأدب قبل أن تتحدث عن تاريخ لم تصنعه، وتعلّم احترام دماء من سبقوك قبل أن توزع شهادات الوطنية من مكتبك. لا تقارن ارتفاع كرسيك بحجم الرجال، فالكرسي يرفع الجسد مؤقتاً، لكنه لا يرفع القيمة. ولا تظن أن قربك من السلطة يجعلك أكبر من تنظيم عبر السجون والمنافي والاغتيالات، فالسلطات تتغير، والموظفون يغادرون، ويبقى التاريخ شاهداً لا يشتريه أحد.

الجبهة الشعبية ليست فوق الشعب، ولا فوق النقد، لكنها بالتأكيد أكبر من لسان متطاول، وأعرق من وظيفة طارئة، وأبقى من كل تاجر مواقف يعتقد أن مفاتيح الوطن معلقة في حزامه.

الدكاكين الحقيقية معروفة، لها أبواب وحراس ودفاتر حسابات، يدخلها الموقف من باب ويخرج منها المنصب من الباب الآخر. أما فلسطين، فلا تختصرها دكانة، ولا يملكها مسؤول، ولا يمنح تاريخها من لم يتعلم بعد كيف يخاطب أصحاب التاريخ.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا