السكة – المحطة الفلسطينية
في واحدة من أخطر القضايا التي تهدد أملاك المغتربين الفلسطينيين، تكشف شكاوى ووثائق عن شبكة يُشتبه بأنها استغلت النفوذ الأمني والثغرات الإدارية في مشروع تسوية الأراضي لتحويله، بحسب مقدمي الشكاوى، من مشروع يهدف إلى تثبيت الملكيات إلى وسيلة للسيطرة على أراضي الفلسطينيين المقيمين في الولايات المتحدة وابتزازهم.
وفي قلب هذه الاتهامات يقف، وفق الشكاوى، الضابط في جهاز الأمن الوطني الفلسطيني محمد أحمد عيسى محارب، الذي يُتهم بقيادة شبكة تضم موظفين حاليين وسابقين في البلديات والدوائر المختصة بالأراضي، مهمتها إدخال ادعاءات ملكية على أراضٍ تعود لمغتربين، تمهيدًا لتحويلها إلى نزاعات قضائية طويلة تنتهي – كما يقول أصحاب الشكاوى – بمساومات مالية أو الاستيلاء على أجزاء منها.
وتشير الشكاوى إلى أن أحد أبرز أعضاء هذه الشبكة هو مأمور المساحة السابق في بلدية المزرعة الغربية رامي بدوان، الذي أُقيل من وظيفته بعد اتهامات بالتزوير والفساد وتلقي الرشاوى، من دون أن تُحسم – بحسب الشكوى – الملفات المنسوبة إليه أو تُلغى الإجراءات التي قام بها قبل خروجه من البلدية.
شبكة تعمل من الداخل
بحسب الرواية الواردة في الشكاوى، لم تكن العمليات تتم بصورة عشوائية، بل من خلال آلية منظمة تستغل مشروع تسوية وفرز الأراضي. تبدأ العملية بإدخال أسماء أشخاص يدّعى أن لهم حقوقًا في قطع أراضٍ يملكها مغتربون، استنادًا إلى صور وثائق أو وكالات قديمة أو مستندات يشكك مقدمو الشكاوى في صحتها، ثم تتحول الأرض إلى ملكية على الشيوع أو إلى نزاع قضائي يمنع تثبيت الملكية.
وهنا – وفق الشكاوى – تبدأ المرحلة الثانية؛ إذ يجد أصحاب الأرض أنفسهم أمام خيارين أحلاهما مر: دفع مبالغ مالية كبيرة لإنهاء النزاع، أو الدخول في معارك قضائية قد تستمر سنوات، فيما تبقى أراضيهم معلقة لا يستطيعون التصرف بها.
هل استُخدمت الوكالات القديمة مرتين؟
ومن أكثر الوقائع إثارة، ما أورده أحد مقدمي الشكاوى، الذي يقول إن اسم أحد سكان قطاع غزة أُعيد إدخاله إلى قطعة أرض سبق أن باعها لوالد الضابط محمد محارب، الذي قام لاحقًا ببيعها إلى آخرين، قبل أن تُستخدم الوكالات القديمة نفسها مجددًا لإحياء ادعاء ملكية جديد، رغم أن سلسلة البيوع – بحسب الشكوى – تثبت انتقال الملكية منذ سنوات.
ويؤكد مقدم الشكوى أن بلدية المزرعة الغربية أدرجت أسماء أصحاب هذه الادعاءات ضمن جدول الحقوق الذي عُلّق للعموم في آذار/مارس 2026، رغم أن محكمة تسوية بيرزيت، في القضية رقم (141/2022)، كانت قد طلبت إبراز الأصول القانونية للوثائق، وهو ما يقول إنه لم يحدث.
ضابط أمن… ومحامٍ في الوقت نفسه؟
ولا تتوقف الاتهامات عند ملف الأراضي.
فالشكاوى تتهم الضابط محارب أيضًا بتقديم نفسه بصفته محاميًا والترافع عن موكلين من قطاع غزة، رغم أنه لا يزال يعمل في جهاز الأمن الوطني.
ويشير مقدمو الشكاوى إلى أن قانون تنظيم مهنة المحاماة الفلسطيني يمنع الجمع بين الوظيفة العامة أو الأمنية ومزاولة المحاماة، ما يطرح، بحسبهم، أسئلة حول كيفية حصوله على بطاقة مزاولة المهنة واستمراره في استخدامها أمام الجهات الرسمية.
الضحية… ناشط يقاتل الاستيطان في الولايات المتحدة
المفارقة التي تضفي على القضية بعدًا سياسيًا، أن أحد أبرز المتضررين هو ناشط فلسطيني-أميركي يقود منذ سنوات حملة داخل الولايات المتحدة لتجفيف منابع تمويل المشروع الاستيطاني الإسرائيلي، عبر ملاحقة المؤسسات التي تجمع التبرعات للمستوطنات والاستفادة من الإعفاءات الضريبية الأميركية.
ويقول الناشط إن الهدف من شراء أراضٍ في المزرعة الغربية، بمحاذاة المستوطنة المقامة في محيط البلدة، كان حماية تلك الأراضي من التوسع الاستيطاني، إلا أنه وجد نفسه – بحسب روايته – يواجه معركة مختلفة تمامًا، عنوانها ادعاءات ملكية ونزاعات قانونية يعتقد أنها مُلفقة.
ويثير هذا التزامن، وفق الشكوى، تساؤلات حول ما إذا كان استهدافه مجرد نزاع عقاري، أم أن نشاطه في ملاحقة تمويل الاستيطان جعله هدفًا لمحاولات الضغط عليه.
عشرات الضحايا… والملف يتوسع
ولا يعتقد مقدمو الشكاوى أن القضية تقتصر على حالة واحدة.
فبحسب ما ورد فيها، هناك عشرات الفلسطينيين المقيمين في الولايات المتحدة تعرضوا لأسلوب مشابه، يقوم على إدخال ادعاءات غير مثبتة إلى سجلات الأراضي، ثم استخدام النزاع الناتج عنها وسيلة للضغط المالي.
ويؤكد مقدم الشكوى أنه يعمل على توثيق جميع الحالات وإطلاق حملة بين أبناء الجالية الفلسطينية في الولايات المتحدة لحث المتضررين على التقدم بشكاواهم، تمهيدًا لإحالتها إلى الجهات القضائية والرقابية، وعرضها أمام وسائل الإعلام.
مطالب بتحقيق عاجل
وتختتم الشكاوى بالمطالبة بفتح تحقيق شامل في ملف تسوية الأراضي، والتحقق من شبهات استغلال الوظيفة العامة والنفوذ، وفحص قانونية الوثائق التي قُبلت ضمن جداول الحقوق، ومساءلة كل من يثبت تورطه في التزوير أو الابتزاز أو إساءة استخدام السلطة أو ممارسة المحاماة خلافًا للقانون.
وفي حال ثبوت هذه الاتهامات، فإن القضية قد تتحول إلى واحدة من أكبر ملفات الفساد المرتبطة بأراضي المغتربين الفلسطينيين خلال السنوات الأخيرة، بما تحمله من تداعيات قانونية ووطنية تمس حقوق آلاف الفلسطينيين المقيمين خارج الوطن

