السكة – المحطة الدولية – كتب المحرر السياسي
في العلاقات الدولية، لا تعلن الدول العظمى عادةً أنها وصلت إلى حدود قدرتها العسكرية، لكنها ترسل إشارات واضحة عندما تبدأ حسابات الكلفة تتقدم على حسابات القوة. والتقارير التي تحدثت عن تراجع الرئيس الأميركي دونالد ترامب مؤقتًا عن توجيه ضربة واسعة لإيران، بعد تحذيرات من استنزاف مخزون صواريخ “باتريوت” ومنظومات الدفاع الجوي، لا ينبغي قراءتها باعتبارها مجرد قرار عسكري، بل باعتبارها مؤشرًا على مرحلة جديدة في إدارة الصراع في الشرق الأوسط.
فمنذ نهاية الحرب الباردة، اعتادت الولايات المتحدة أن تخوض عمليات عسكرية وهي تمتلك هامشًا واسعًا من التفوق يسمح لها بإدارة أكثر من أزمة في آن واحد. أما اليوم، فقد تغير المشهد بصورة جذرية. فواشنطن لم تعد تواجه تحديًا واحدًا، بل تجد نفسها أمام التزامات متزامنة في أوروبا لدعم أوكرانيا، وفي منطقة المحيطين الهندي والهادئ لمواجهة تنامي النفوذ الصيني، وفي الشرق الأوسط لحماية قواعدها وحلفائها وضمان أمن الملاحة الدولية.
في هذا السياق، لم تعد الذخائر مجرد أدوات قتال، بل أصبحت موردًا استراتيجيًا يخضع لحسابات دقيقة. وعندما يتحدث قادة البنتاغون عن تراجع مخزون صواريخ الاعتراض، فإن الرسالة تتجاوز الجانب اللوجستي، لتطرح سؤالًا أكثر أهمية: هل تستطيع الولايات المتحدة تحمل حرب استنزاف جديدة في منطقة لم تعد تمثل الأولوية الوحيدة في استراتيجيتها العالمية؟
هذا السؤال يعيد إلى الأذهان دروسًا من حروب طويلة خاضتها الولايات المتحدة، حيث أثبتت التجربة أن التفوق العسكري لا يضمن تحقيق الأهداف السياسية. فمن فيتنام إلى العراق وأفغانستان، امتلكت واشنطن القدرة على الحسم العسكري، لكنها واجهت صعوبة أكبر في ترجمة هذا التفوق إلى استقرار سياسي دائم. واليوم، تبدو الإدارة الأمريكية أكثر إدراكًا لهذا الدرس، خاصة في مواجهة خصم مثل إيران، الذي يعتمد على مزيج من القدرات الصاروخية، والشبكات الحليفة، وأدوات الحرب غير التقليدية.
ومن الخطأ اختزال القرار الأمريكي في مسألة نقص الذخائر وحدها. فالمعادلة أكثر تعقيدًا. إذ تدرك واشنطن أن أي ضربة واسعة قد تدفع إيران إلى الرد عبر جبهات متعددة، من الخليج إلى العراق وسورية وربما البحر الأحمر، وهو ما يعني تهديد القواعد الأمريكية، وتعريض الحلفاء الإقليميين لمزيد من المخاطر، فضلًا عن احتمال اضطراب الملاحة في مضيق هرمز، الذي يظل أحد أهم شرايين تجارة الطاقة العالمية.
اقتصاديًا، لا تستطيع الإدارة الأمريكية تجاهل أن أي اضطراب طويل في أسواق النفط سيؤثر على الاقتصاد العالمي، ويرفع تكاليف الطاقة، ويزيد الضغوط التضخمية. وحتى لو تمكنت الولايات المتحدة من احتواء التداعيات العسكرية، فإن الكلفة الاقتصادية والسياسية قد تكون أكبر بكثير من المكاسب المتوقعة من أي تصعيد.
في المقابل، تبدو إيران وكأنها تراهن على استراتيجية “الصبر الاستراتيجي”. فهي تدرك أن الدخول في مواجهة تقليدية مباشرة مع الولايات المتحدة ليس في مصلحتها، لكنها تعتقد أن إطالة أمد الأزمة واستنزاف الخصم قد يحقق لها مكاسب سياسية تفوق ما يمكن أن تحققه مواجهة عسكرية مفتوحة. وهذه المقاربة ليست جديدة في الفكر الاستراتيجي الإيراني، الذي يقوم على رفع كلفة المواجهة على الخصم بدلًا من السعي إلى حسمها سريعًا.
أما إسرائيل، فتراقب هذا التطور بقلق. فمن منظورها، كلما تراجعت واشنطن عن التصعيد العسكري، زادت مساحة المناورة أمام إيران. غير أن القراءة الأمريكية تبدو مختلفة؛ إذ إن الهدف ليس التخلي عن الحليف الإسرائيلي، بل تجنب حرب إقليمية قد تفرض على الولايات المتحدة التزامات عسكرية مفتوحة في وقت تتوزع فيه أولوياتها على أكثر من ساحة دولية.
وفي هذا الإطار، تستعيد الدبلوماسية، ولو مؤقتًا، دورها التقليدي. فالوساطات الإقليمية، خصوصًا تلك التي تقودها سلطنة عُمان، قد توفر مخرجًا يتيح لجميع الأطراف التقاط الأنفاس دون أن يضطر أي منها إلى إعلان التراجع. لكن نجاح هذا المسار سيبقى مرهونًا بقدرة واشنطن وطهران على الفصل بين إدارة الأزمة وحلها، وهو أمر لم يتحقق حتى الآن.
اللافت في المشهد أن الشرق الأوسط لم يعد يحتكر اهتمام السياسة الأمريكية كما كان الحال خلال العقود الماضية. فالعالم يتجه نحو تعددية في بؤر التوتر، والولايات المتحدة باتت مضطرة إلى توزيع مواردها العسكرية والسياسية بين أكثر من جبهة. وهذا التحول يمنح القوى الإقليمية، وفي مقدمتها إيران، مساحة أوسع للمناورة، لكنه يفرض عليها أيضًا مسؤولية تجنب الانزلاق إلى مواجهة لا يمكن السيطرة على نتائجها.
في النهاية، لا يبدو أن قرار ترامب يمثل نهاية خيار القوة، كما لا يعني انتصارًا للدبلوماسية. إنه، على الأرجح، اعتراف بأن موازين القوة في القرن الحادي والعشرين لم تعد تُقاس بعدد الطائرات أو الصواريخ وحدها، بل بقدرة الدول على إدارة مواردها، وتحمل كلفة الصراعات، وتحقيق أهدافها بأقل قدر ممكن من الاستنزاف.
وربما تكون الرسالة الأهم التي تكشفها هذه الأزمة أن ميزان الردع في الشرق الأوسط لم يعد أحادي الاتجاه، وأن أي قرار بالحرب أصبح يمر أولًا عبر حسابات الكلفة، قبل أن يصدر من غرف العمليات العسكرية

