السكة – المحطة الفلسطينية
في السياسة، يقال إن الزعماء يُقاسون بعدد الحلفاء الذين يحافظون عليهم، لكن في الحالة الفلسطينية يبدو أن المعادلة انقلبت رأسًا على عقب؛ فكلما طال عمر السلطة، تقلّصت دائرة الرفاق، حتى بات السؤال المشروع: من التالي على قائمة الخارجين من المشهد؟
على امتداد سنوات حكم محمود عباس، تبدو الساحة الفلسطينية وكأنها تعيد عرض الفيلم ذاته، مع تغيير أسماء الممثلين فقط. تبدأ الحكاية بتحالف وثيق، وابتسامات أمام الكاميرات، وحديث عن الشراكة ووحدة القرار، ثم لا يلبث المشهد أن ينتهي بخلاف، فإقصاء، ثم اختفاء سياسي، وكأن الرجل لا يؤمن إلا بقاعدة واحدة: لا مكان في القمة إلا لشخص واحد.
محمد دحلان كان يومًا أحد أقرب رجاله وأكثرهم نفوذًا، قبل أن يتحول إلى خصم شرس ويُفصل من حركة فتح ويؤسس تياره الخاص. أحمد قريع، أحد أبرز مهندسي أوسلو، انتهى به المطاف خارج دائرة التأثير بعد سنوات من العمل المشترك. ياسر عبد ربه، الذي كان يوصف بأنه أحد العقول السياسية المقربة من عباس، وجد نفسه خارج المشهد بقرار مفاجئ.
أما نبيل عمرو، فلم تشفع له سنوات التحالف، ولا الطيب عبد الرحيم الذي تقلص حضوره تدريجيًا حتى غادر الحياة بعيدًا عن الأضواء. ثم جاء الدور على ناصر القدوة، ابن شقيقة ياسر عرفات، الذي لم يحتج سوى إلى التفكير في خوض الانتخابات بقائمة مستقلة حتى وجد نفسه خارج فتح.
واليوم، ينضم محمود العالول إلى قائمة طويلة من القيادات التي بدت يومًا جزءًا من مركز القرار، قبل أن تصبح جزءًا من أرشيف الحركة.
قد يختلف المتابعون في تفسير هذه الوقائع؛ فهناك من يراها إدارة حازمة للخلافات الداخلية، بينما يعتبرها آخرون نهجًا يقوم على تضييق دائرة النفوذ وتركيز القرار في يد شخص واحد. لكن ما يصعب تجاهله هو النتيجة: معظم الشخصيات التي شكّلت الصف الأول إلى جانب عباس لم تعد تشغل الموقع الذي كانت فيه.
المفارقة الساخرة أن حركة فتح، التي لطالما قدّمت نفسها بوصفها حركة جماهيرية متعددة القيادات، أصبحت تبدو أحيانًا وكأنها مسرح تُبدّل فيه الشخصيات باستمرار، بينما يبقى المخرج ذاته ممسكًا بالنص والمشهد والإضاءة.
وبينما تتعاقب أسماء الخارجين من دائرة النفوذ، تتراجع المؤسسات التنظيمية، وتتأجل الانتخابات، ويزداد الغموض حول مرحلة ما بعد عباس. وكأن السياسة الفلسطينية تحولت إلى لعبة كراسٍ موسيقية لا تتوقف، لكن الموسيقى تنتهي دائمًا بالشخص نفسه جالسًا على الكرسي الأخير.
ربما يكون هذا هو الإنجاز السياسي الأكثر استمرارية في عهد محمود عباس: ليس بناء توافقات طويلة الأمد، بل البقاء آخر الواقفين في القاعة، بعد أن يغادر الجميع… طوعًا أو كرهًا

