السكة – المحطة الفلسطينية
يوثق قصي أبو ريدة ، أحد المحتجزين داخل منزله في بلدة قُصرة جنوب مدينة نابلس ، مشاهد من تمثيلية جيش الاحتلال الإسرائيلي التي أراد أن يظهر نفسه فيها بمن يعمل على حماية ثلاث عائلات فلسطينية من بطش المستوطنين وإرهابهم.
ولليوم التاسع على التوالي، يتواصل حصار الجيش للمنطقة بحجة حماية الأهالي من حصار المستوطنين وهجماتهم، التي تستمر بمعاونة الجيش أيضا، وهو ما يعني مزيدا من الحصار والمعاناة للعائلات الثلاث.
ويظهر في أحد المشاهد، التي يلتقطها أبو ريدة بهاتفه المحمول، المستوطنون المتطرفون الذين يتنقلون بسيارات صغيرة «تراكتورون»، وهم يعربدون في المنطقة القريبة من المنازل الثلاثة، وأمام المنازل يتوقفون ويسلمون على الجنود ويتبادلون أطراف الحديث وكأنهم أصدقاء.
يقول أبو ريدة لـ»القدس العربي»: «إنها دليل تواطؤ وتنسيق».
ويفترض أن عملية الحصار التي يفرضها الجيش الإسرائيلي على المنطقة جاءت بهدف حماية العائلات الثلاث، التي تقطن في ثلاثة منازل، أحدها عبارة عن فيلا من طبقتين، وتعود لمواطن فلسطيني يحمل الجنسية الأمريكية، وهو الأمر الذي صعّد من حضور القضية في وسائل الإعلام العربية والدولية، فيما يعود المنزل الثاني لعائلة رزق حسان، وهو منزل فارغ من الأدوات الكهربائية ويسكنه ثلاثة مواطنين، أما المنزل الثالث فيعود لعائلة يوسف حسان، حيث حوله الجنود إلى ثكنة عسكرية، وطردوا من فيه إلى الفيلا التي يعيش فيها أبو ريدة.
موقع استراتيجي
وقُصرة، التي يبلغ عدد سكانها 7 آلاف نسمة، وتُلفظ بضم القاف وسكون الصاد وفتح الراء، تقع جنوب شرق محافظة نابلس، على بعد نحو 24 كم، وتتسم بالجمال والهدوء، وهي ذات إطلالة جذابة على غور الأردن وجبال السلط في الأردن، وأغلب مزروعاتها من اللوزيات والتين، والزيتون والعنب والحمضيات.
وتعود التسمية بهذا الاسم إلى الأفاعي القصيرة التي تنتشر في أراضيها، وفي رواية أخرى إلى كسرى، ملك الفرس، الذي كان قد سكن القرية وأقام فيها.
وحسب مصادر محلية، يواصل مستوطنون منذ نحو أربعة أشهر محاولاتهم لاقتحام المنازل والاستيلاء عليها، الأمر الذي دفع أفراد العائلات إلى المبيت فيها بشكل متواصل، والعمل بنظام المناوبات لحمايتها ومنع الاستيلاء عليها.
وعلى مدار تسعة أيام، وبفضل تمسك المواطنين بمنازلهم ورفضهم الخروج منها، تحولت قُصرة إلى قضية جرى تناولها على المستويين المحلي والدولي، كما تحدث عنها أعضاء في الكونغرس الأمريكي، بفضل العلاقات التي يتمتع بها صاحب المنزل لؤي أبو ريدة، الذي يحمل الجنسية الأمريكية.
وقال رئيس بلدية قُصرة في نابلس، عبد العظيم وادي، في حديث لـ»القدس العربي»، إن منطقة الجبل التي تقع فيها المنازل الثلاثة هي منطقة مصنفة (ب)، أي إن للفلسطينيين سيطرة إدارية عليها، وهي تتوسط عدة قرى، منها جالود وجوريش، ما يجعلها متنفسا وموقعا استراتيجيا ومطمعا للاحتلال والمستوطنين.
«جبل يشرف على مناطق واسعة»
وعن قصة الجبل، يقول عاهد أبو ريدة، شقيق قصي، الذي يسكن في منزل مطل على منزل شقيقه المحاصر: «إنه جبل استراتيجي يبلغ ارتفاعه 930 مترا، ومطل على الأردن، وكذلك على أجزاء من سوريا والبحر المتوسط».
ويتابع في حديث خاص لـ»القدس العربي»: «بيتنا أراه من حوارة، وكذلك عندما أكون في سنجل شمال رام الله، وهناك أيضا نقطة مطلة عليه في بلدة الطيبة شرق مدينة رام الله.. إنه جبل مرتفع ومطل ويشرف على مناطق كثيرة، وهو ما يجعله مطمعا للمستوطنين».
ويربط أبو ريدة حكاية استهداف منازلهم باستهداف منزلين لعائلة الطوباسي في بلدة جالود القريبة قبل نحو شهر.
ويتابع: «منازل الطوباسي التي تمت السيطرة عليها لا تبعد عنا أكثر من كيلومترين، لقد أرادوا أن نكون تماما مثل عائلة الطوباسي، نشعر بالخوف ونترك المنازل وهم يسيطرون عليها».
ويشدد الشاب، الذي توقفت حياته خلال الأيام التسعة الماضية، حيث توقف عن عمله في التجارة في مدينة نابلس من أجل متابعة أوضاع العائلات الثلاث، قائلا: «القصة ليست قصة أكل وماء، المسألة حياة بكافة تفاصيلها، ماذا يعني أن تحتاج إلى يومين أو ثلاثة للتنسيق لدخول الإسعاف مثلا، أو يومين من أجل السماح بدخول الماء والطعام.. هذه ليست حياة، إنها محاولة لجعلنا نمل ونفقد الأمل تماما».
ويتابع، مكررا جملا رددها خلال الأيام الماضية أفراد من العائلات المحاصرة، وكذلك رئيس البلدية: «سنبقى هنا حتى لو متنا داخل المنزل، سندفن في أرضية المنزل حتى يقال إننا بقينا هنا ولم نخرج كما يريد المستوطنون، ولن يخرج أحد إلا إلى المقبرة»، وكما قال أخي قصي: «لن نخرج حتى لو متنا من الجوع».
قرار البقاء غيّر مسار القضية
وكان يمكن أن تنتهي حكاية هذه المنازل الثلاثة، على قمة جبل مطل على أوسع نشاط استيطاني في منطقة مشرفة على الأغوار الفلسطينية، بسيطرة المستوطنين عليها في الساعات الأولى للهجمات على المنازل الثلاثة قبل تسعة أيام، لكن قرارا جريئا، وربما غير مدروس، من العائلات الثلاث ترتب عليه البقاء في المنازل والتحصن بداخلها، وهو ما جعل هذه البلدة حديث المواطنين وقضية تعكس بعدا جديدا في هجمات المستوطنين.
ويشدد عاهد: «أخي لؤي عائد من أمريكا، وهو صاحب الفيلا، وسيصل اليوم. لقد تمكن من إثارة القضية بعدما أرسل رسالة للجهات الرسمية الأمريكية، فهو يعيش في ولاية أوهايو، وجاء إلى هنا من أجل متابعة مسألة المنزل عن قرب مع السفارة الأمريكية».
وقالت السفارة الأمريكية للؤي أبو ريدة إنها «لا تضمن لي طريقا آمنا»، إلا أنه غادر الولايات المتحدة متجها إلى الضفة الغربية المحتلة، في محاولة لدعم أسرته وفك حصار المستوطنين عن منزله في بلدة قُصرة جنوب شرق نابلس.
ويبقى عاهد جالسا على شرفة منزله «الفرندة»، مقابل المنزل الذي يتحصن فيه قصي وعائلته، ويقول: «صحيح أنني دائم التحدث مع أخي وعائلته هاتفيا، لكنه ينشغل كثيرا في الرد على الاتصالات والتواصل مع وسائل الإعلام. أجلس على الشرفة وأراقب ما يجري مخافة أن تتطور الأمور، لا سمح الله».
ويتابع: «منذ تسعة أيام انقلبت حياتي رأسا على عقب، لا مجال لممارسة أعمالي، كل شيء توقف لصالح المنازل المحاصرة».
ويبدي عاهد رضاه عن تواصل المسؤولين الرسميين مع العائلات والبلدية، مشددا على أنهم فعلوا وتواصلوا، وأن ذلك دليل على الصمود والنجاح في القضية التي تمثلها العائلات.
من منزل إلى ثكنة عسكرية
وحول آخر التطورات، قال رئيس البلدية إن الاحتلال حول منزل المواطن يوسف حسان إلى ثكنة عسكرية، حيث يتمركز فيه نحو 40 جنديا.
كما أن جيش الاحتلال، وفي سياق تعزيز حصار المنطقة ومنع السكان من الوجود فيها، «أبلغ أحد المصانع في منطقة رأس العين بالإغلاق لمدة أسبوع، وأنها منطقة عسكرية مغلقة».
وقال أحد المواطنين: «هذا المصنع تعتاش من العمل فيه عشر عائلات».
وشدد رئيس البلدية على أن طواقم المجلس البلدي تمكنت أمس من إعادة التيار الكهربائي وشبكة المياه إلى المنطقة، وتحديدا إلى المنازل الثلاثة. كما تمكنت «اليونيسف» من إدخال المواد الغذائية والأدوية والمستلزمات الأساسية.
وقال وادي: «لقد طالبنا الوفد الوزاري الذي زار قُصرة بصيانة شبكة المياه، ورفع قدرة الكهرباء، وتعبيد طريق جبل رأس العين، ورفع مستوى العيادة وتزويدها بأطباء إضافيين».
وفي السياق ذاته، وجهت البلدية وفعالياتها الوطنية دعوة إلى المتضامنين الأجانب للوصول إليها. وعن ذلك يقول وادي: «كان لوصولهم أثر كبير في محاولة كسر الحصار، كما أسهم الحضور الإعلامي في نقل معاناة الأهالي».
الحياة داخل المنازل المحاصرة
ومن داخل الفيلا المحاصرة، يتحدث الأب قصي لـ»القدس العربي»: «لقد تمكنوا من جلب الطعام لعائلة رزق التي تجاور منزلنا، ووضعوه على الباب تماما، لكن الجيش، وبعد ساعات طويلة، منع العائلة من الحصول على الطعام.. هل يمكن تخيل ذلك؟».
وحول واقع الحياة في ظل الحصار، شدد على صعوبتها في ظل وجود أطفال صغار، قائلا: «البكاء والصراخ في ظل الخوف مسألة دائمة، لا يمكن الاستمرار على هذا النحو من الحياة الصعبة».
ويعقب على الواقع الذي وجد نفسه فيه: «لا يمكن القول إنني أحاصر نفسي، أنا في منزلي، وهذا حقي. الجنود أمام المنزل يحاصرونه. مشكلة بسيطة جدا حولها الجيش الإسرائيلي إلى قضية، فالحل موجود وهو بسيط: منع المستوطنين من الوجود في المكان، لكنهم لا يريدون تقديم الحل، بل استمرار المشكلة».
ويرى أن الاحتلال يراهن على تراجع الاهتمام الإعلامي بموضوع العائلات الثلاث، في سبيل إخراجهم ودخول المستوطنين إلى المنزل.
ويضيف: «المستوطنون لديهم هدف واضح، يريدون حرقنا داخل المنازل، ينتظرون خروج الجيش وفعل ذلك، لقد قاموا بتهديدنا بذلك اليوم وصورت المشاهد».
ورغم صعوبة الحياة في ظل الحصار والخوف، يرى أبو ريدة، وهو داخل منزله، خيرا كثيرا في قضية حصار المنازل: «هذه المرة نقلت قضية هجمات المستوطنين والاستيطان في الضفة من مستوى بلدة فلسطينية إلى مستوى فلسطين جميعها، وإلى مستوى العالم. لقد قلبت الموازين، وأنا أرى أن هذا يعكس بداية انفراجة. عندما يركز كل العالم على ما يجري هنا، فهذا مؤشر مهم».
بؤرة استيطانية ومستوطنات تحاصر البلدة
ومنذ نحو عام، أقام مستوطنون بؤرة استيطانية بالقرب من المنازل، وخلال العام هدم الجيش البؤرة نحو تسع مرات، وفي كل مرة كان المستوطنون يعيدون تدشينها من جديد أمام الجيش ذاته.
وتحيط بالبلدة ثلاث مستوطنات، هي «مجدليم» شرق البلدة، و»إيش كوديش» جنوب شرق البلدة، و»أحيا» جنوبا.
ونقلت القناة 12 العبرية أن وفدا أمريكيا من كبار موظفي الإدارة الأمريكية سيزور قرية قُصرة في نابلس. كما نقلت القناة أن المنظومة الأمنية ستعرض أمام الوفد الأمريكي الخطط التي أعدها الجيش لمنع الاعتداءات من قبل المستوطنين.
«لعبة بين الجيش والمستوطنين»
ويصف الدكتور والباحث قتيبة مسلم سياسة محاصرة المنازل في قرية قُصرة أنها تعكس جانبا من «لعبة بين جيش الاحتلال والمستوطنين بهدف إرضاء السفارة الأمريكية».
ويقول مسلم، وهو أسير محرر: «كون أحد مالكي المنازل مواطنا أمريكيا، فإن الجيش يتظاهر بالعمل على حماية المواطنين، لكن هذا إجراء شكلي. لقد تعودنا على هذه اللعبة، جانب من المستوطنين هم جنود في الجيش، والعكس صحيح».
ويختم قائلا: «إن لعبة الجيش هدفها تهجير أكثر من منزل معا، ولاحقا تهجيرنا جميعا، والمطلوب أن نخوض معركتنا معهم من خلال الوحدة وتماسك مكونات الشعب كي نفشل عملية التهجير، فهذا هو واجبنا اليوم».
(القدس العربي)

