السكة – المحطة الدولية
حين يقول الرئيس الأميركي دونالد ترامب لإيران: «ارفعوا الراية البيضاء واستسلموا»، تبدو العبارة وكأنها صادرة عن رئيس يرى أن الحرب حُسمت، وأن خصمه لم يعد أمامه سوى اختيار طريقة الخروج.
لكن قراءة بقية كلام ترامب، ثم وضعه أمام أرقام الداخل الأميركي، تقود إلى صورة أكثر تعقيدًا.
ففي المقابلة نفسها يقول ترامب إنه ليس في عجلة من أمره، وإنه لا يعمل وفق جدول زمني، ثم يكشف في الوقت ذاته عن وجود قناة اتصال خلفية مع مسؤولين في الحرس الثوري الإيراني.
وهنا تظهر المفارقة الأولى:
إذا كان الخصم على وشك رفع الراية البيضاء، فلماذا ما تزال القنوات الخلفية مفتوحة؟
الجواب ربما يوجد في واشنطن أكثر مما يوجد في طهران.
فاستطلاع أجرته وكالة أسوشيتد برس ومركز NORC للأبحاث، ونُشرت نتائجه في 30 يوليو، يقدم أرقامًا يصعب على أي إدارة أميركية تجاهلها.
نحو ثلثي الأميركيين يقولون إن الحرب مع إيران لم تكن تستحق خوضها.
والأخطر بالنسبة إلى ترامب أن نسبة الرضا عن إدارته للملف الإيراني تراجعت من 34% إلى 28% فقط.
حتى القاعدة الجمهورية لم تعد بالتماسك نفسه.
فبين الجمهوريين، انخفضت نسبة التأييد لطريقة إدارة ترامب للحرب من نحو 71% في يونيو إلى 61% في يوليو، بينما يرى نحو 37% منهم أن الحرب لم تكن جديرة بخوضها.
هذه ليست أرقامًا إيرانية، ولا دعاية تصدر من طهران.
إنها أرقام أميركية عن المزاج الأميركي.
والسياسة الأميركية تعلمنا أن الرئيس يستطيع تحمّل صاروخ إيراني، وربما يستطيع تحمّل خسائر عسكرية محدودة، لكنه يصعب عليه تجاهل الناخب عندما يبدأ بالسؤال:
إلى متى؟ ولماذا؟ وماذا ربحنا؟
خصوصًا أن انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر تقترب، والجمهوريون الذين دافعوا عن سياسة ترامب تجاه إيران سيدخلون صناديق الاقتراع وهم يحملون معهم فاتورة حرب طالت أكثر مما كان متوقعًا.
وهنا تظهر مفارقة سياسية أخرى لا تقل أهمية.
ترامب بنى جزءًا مهمًا من خطابه الانتخابي على فكرة أنه الرئيس الذي لا يريد إدخال أميركا في حروب طويلة لا نهاية واضحة لها، وأنه قادر على إنهاء الصراعات بدل توريثها للأميركيين.
لكن الواقع الذي يعيشه اليوم يضعه أمام الصورة التي كان ينتقدها أصلًا: حرب تمتد، وكلفة تتراكم، وضغوط داخلية تتزايد، وناخب يبدأ بمحاسبته على المدة بقدر ما يحاسبه على النتيجة.
وهنا تصبح عبارة ترامب: «لست في عجلة من أمري» مثيرة للاهتمام.
عسكريًا، ربما يستطيع الانتظار.
لكن هل يستطيع الانتظار سياسيًا؟
هناك فارق كبير بين الأمرين.
فالولايات المتحدة تملك قوة عسكرية واقتصادية هائلة، ولا توجد مقارنة تقليدية بينها وبين إيران في حجم القوة الشاملة.
لكن الحروب لا تُحسم دائمًا بمن يمتلك المخزون الأكبر.
أحيانًا تُحسم بالسؤال عن من يستطيع تحمّل الزمن أطول.
إيران تستطيع أن تتلقى الضربات وتدفع ثمنًا اقتصاديًا وعسكريًا باهظًا، لكنها تعرف في المقابل أن كل أسبوع إضافي للحرب يحمل معه كلفة سياسية إلى البيت الأبيض.
ومن هنا يمكن فهم حديث ترامب عن الترسانة الأميركية، وتأكيده أن ما استُهلك منها حتى الآن «لا يُذكر».
هذه ليست رسالة إلى طهران فقط.
قد تكون أيضًا رسالة إلى الداخل الأميركي تقول:
لا تقلقوا، الحرب لم تستنزفنا.
لكن مشكلة ترامب ليست عسكرية فقط.
إنها سياسية واقتصادية وانتخابية.
ولهذا يصبح الكشف عن قناة اتصال خلفية مع الحرس الثوري أهم، في تقديري، من عبارة «الراية البيضاء» نفسها.
ترامب يستخدم لغة الاستسلام في العلن، لكنه يبقي باب التفاوض مفتوحًا في السر.
وهذه ليست مفارقة جديدة في أسلوبه.
إنها تقريبًا طريقته المفضلة في التفاوض:
يرفع السقف إلى أقصى حد، يهدد، يضاعف الضغط، يخبر جمهوره أن الخصم ينهار، ثم يبحث عن اتفاق يستطيع تقديمه في النهاية باعتباره انتصارًا تاريخيًا.
وهنا قد تكون المشكلة الحقيقية بين واشنطن وطهران ليست في الوصول إلى اتفاق، بل في اسم ذلك الاتفاق.
إيران تريد اتفاقًا تستطيع أن تقول لشعبها بعده: لم نستسلم.
وترامب يريد اتفاقًا يستطيع أن يقول للأميركيين بعده: لقد استسلموا.
وبين الجملتين مساحة واسعة جدًا للدبلوماسية.
لذلك، لا ينبغي أن تخدعنا قسوة عبارة «الراية البيضاء».
فخلفها رئيس يعرف أن استطلاعات الرأي تتحرك في الاتجاه الخطأ، وأن انتخابات نوفمبر تقترب، وأن الحرب التي تبدأ بقرار من البيت الأبيض قد تنتهي بحسابات صندوق الاقتراع.
ترامب يقول إنه ليس في عجلة من أمره.
لكن الساعة تدق في واشنطن.
ولهذا يصبح السؤال الحقيقي بعد تصريح فوكس نيوز ليس:
متى سترفع إيران الراية البيضاء؟
من يحتاج إلى الصفقة أولًا… طهران التي تتعرض للحصار، أم ترامب الذي يخشى أن تتحول حرب أرادها ورقة قوة إلى عبء انتخابي يلاحقه داخل الولايات المتحدة ؟