الثلاثاء, أغسطس 25, 2026

الأكثر

الرئيسيةالمحطة الرئيسيةلماذا تُكلّف الانتخابات الأميركية كل هذه المليارات؟

لماذا تُكلّف الانتخابات الأميركية كل هذه المليارات؟

السكة – محطة عرب تكساس – ترجمات

في الولايات المتحدة، لم تعد الانتخابات مجرد عملية ديمقراطية لاختيار المسؤولين، بل تحولت إلى صناعة ضخمة تتدفق فيها مليارات الدولارات بهدف التأثير في اتجاهات الناخبين وصياغة الرواية السياسية.

ولا تنفق هذه الأموال أساسًا على إدارة العملية الانتخابية أو تسهيل وصول الأميركيين إلى صناديق الاقتراع، وإنما تُستخدم بدرجة كبيرة في الإعلانات السياسية، والحملات الإعلامية، واستهداف المنافسين، وبناء صورة المرشحين أو تشويهها.

وبحسب مشروع OpenSecrets المتخصص في تتبع تمويل الحملات الانتخابية، اقترب إجمالي الإنفاق على دورة الانتخابات الرئاسية والتشريعية لعام 2024 من 5 مليارات دولار، بعدما كان أقل من مليار دولار قبل عام 2010.

لماذا عاد الجدل إلى الواجهة؟

عاد ملف المال السياسي إلى دائرة الضوء بقوة بعد المفاجأة التي شهدتها الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي في ولاية ميشيغان، حيث تمكن عبد الإله السعيد من الفوز بترشيح الحزب لمقعد مجلس الشيوخ، متغلبًا على عضوة الكونغرس هايلي ستيفنز، رغم الدعم الكبير الذي حظيت به منافسته من المؤسسة الديمقراطية وحاكم الولاية.

وكانت الحملة ضد السعيد قد شهدت تدفقًا ماليًا غير مسبوق؛ إذ أنفقت مجموعات وشركات ومنظمات ذات مصالح محددة أكثر من 50 مليون دولار لدعم ستيفنز والتصدي لحملته، بينما أنفقت جماعات مؤيدة لإسرائيل نحو 30 مليون دولار في هذا الاتجاه.

في المقابل، حصل السعيد على ما يزيد قليلًا على 5 ملايين دولار من الإنفاق الخارجي، معظمها من مجموعة تقدمية.

واللافت أن هذه الأرقام لا تشمل الأموال التي جمعتها الحملات الانتخابية للمرشحين أنفسهم، كما أن الأمر يتعلق بانتخابات تمهيدية فقط، قبل خوض الانتخابات العامة.

كيف أصبح الإنفاق السياسي بلا سقف تقريبًا؟

يكمن جزء أساسي من الإجابة في طبيعة النظام القانوني الأميركي.

ففي عام 2010، أصدرت المحكمة العليا الأميركية حكمها الشهير في قضية Citizens United، وقررت أن الحكومة لا يجوز لها تقييد الإنفاق السياسي المستقل للشركات والمنظمات على أساس هويتها المؤسسية، باعتبار أن هذا الإنفاق يدخل في نطاق التعبير السياسي المحمي دستوريًا.

فتح الحكم الباب أمام توسع هائل في دور الجماعات الخارجية، ولا سيما ما يُعرف بـ Super PACs، التي تستطيع جمع وإنفاق مبالغ ضخمة من دون سقف محدد، شريطة ألا تنسق بصورة مباشرة مع المرشحين وحملاتهم في الأنشطة التي يحظرها القانون.

أما التبرعات المباشرة للمرشحين فتظل خاضعة لحدود قانونية محددة.

وهنا يظهر الفرق الجوهري: يمكن للمرشح أن يواجه قيودًا على الأموال التي يتلقاها مباشرة، بينما تستطيع جهة مستقلة أن تنفق مبالغ هائلة لدعمه أو مهاجمة منافسه، ما دامت تلتزم بالقواعد الخاصة بالإنفاق المستقل.

ما قصة الـPAC والـSuper PAC؟

الـ PAC، أو لجنة العمل السياسي، هي كيان يُنشأ لجمع الأموال وإنفاقها بهدف التأثير في الانتخابات، وتخضع مساهماته وإنفاقه لقواعد وحدود قانونية معينة.

أما الـ Super PAC فتمتلك مساحة أكبر بكثير للإنفاق. ويمكنها قبول مبالغ ضخمة من أفراد وشركات، ثم إنفاقها بصورة مستقلة في دعم مرشح أو مهاجمة منافسه.

وهذا يعني أن شخصًا ثريًا أو شركة كبيرة يمكنها ضخ عشرات أو حتى مئات الملايين من الدولارات في العملية السياسية عبر هذه الكيانات، بدلًا من تقديمها مباشرة إلى حملة المرشح.

ورغم أن القانون يفصل رسميًا بين هذه الجهات والحملات الانتخابية، فإن حجم الإنفاق يجعل تأثيرها السياسي موضع جدل واسع.

المال “المظلم”.. عندما لا نعرف من يدفع

المشكلة لا تتوقف عند الأموال المعلنة.

فهناك ما يعرف بـ “Dark Money” أو المال المظلم، وهو تمويل سياسي يصعب أحيانًا معرفة مصدره النهائي.

وتستخدم بعض المنظمات غير الربحية هياكل قانونية تسمح لها بتمويل أنشطة سياسية من دون الكشف الكامل عن هوية المانحين الأصليين. كما يمكن أن تمر الأموال عبر كيانات متعددة، ما يجعل تتبع مصدرها الحقيقي أكثر صعوبة.

وتستغل بعض الحملات منطقة رمادية في القانون، من خلال إنتاج إعلانات سياسية تهاجم مرشحًا أو تمدحه من دون استخدام عبارات انتخابية صريحة مثل “صوّت له” أو “لا تصوت له”.

وبذلك يمكن أن يصبح الإعلان، من الناحية العملية، شبيهًا بإعلان انتخابي تقليدي، بينما لا يخضع بالضرورة لقواعد الإفصاح نفسها.

من أين تأتي هذه المليارات؟

تشمل قائمة كبار المنفقين جماعات ضغط وشركات ومنظمات ذات مصالح محددة، إلى جانب شبكات سياسية مرتبطة بالحزبين الجمهوري والديمقراطي.

وتتوزع القضايا التي تحاول هذه الجهات التأثير فيها بين ملفات مثل:

  • حقوق حمل السلاح.
  • الإجهاض.
  • الطاقة والنفط والغاز.
  • الدفاع والسياسة الخارجية.
  • الرعاية الصحية والأدوية.
  • العقارات.
  • التكنولوجيا.
  • المصالح التجارية والضريبية.

وفي انتخابات 2024، كان جزء كبير من الإنفاق الخارجي ذا طابع أيديولوجي أو مرتبطًا بقضية سياسية محددة.

كما برزت شخصيات شديدة الثراء باعتبارها مصادر رئيسية لتمويل Super PACs، ما أعاد إشعال النقاش حول حجم النفوذ الذي يمكن أن يمتلكه أصحاب الثروات الكبرى في الحياة السياسية الأميركية.

هل المال يشتري الانتخابات فعلًا؟

العلاقة بين الإنفاق والنتائج الانتخابية ليست بهذه البساطة.

فارتفاع الإنفاق لا يعني تلقائيًا أن المرشح سينتصر، كما أظهرت بعض الانتخابات التي خالف فيها الناخبون توقعات الممولين وأنفقت فيها جهات سياسية مبالغ ضخمة من دون تحقيق أهدافها.

لكن المال يمنح الحملات أدوات هائلة: شراء الإعلانات التلفزيونية والرقمية، توظيف الموظفين، إجراء استطلاعات الرأي، تنظيم حملات ميدانية، الوصول إلى الناخبين، وبناء صورة إعلامية واسعة.

كما أن كثرة الأموال قد تساعد مرشحًا غير معروف على الوصول إلى جمهور لم يكن ليصل إليه بالموارد المحدودة.

ولهذا يظل السؤال الحقيقي ليس فقط: هل يستطيع المال شراء الانتخابات؟ بل أيضًا: إلى أي مدى يستطيع المال تحديد من يملك القدرة أصلًا على المنافسة؟

كيف يؤثر ذلك في الديمقراطية؟

تستمر الانتخابات الأميركية لفترات طويلة، فيما يخوض أعضاء مجلس النواب انتخابات كل عامين، والرئيس كل أربعة أعوام، وأعضاء مجلس الشيوخ كل ستة أعوام.

وفي ظل ارتفاع تكاليف الحملات، يتحول جمع الأموال إلى نشاط دائم بالنسبة لكثير من السياسيين، حتى أثناء وجودهم في مناصبهم.

ويثير ذلك مخاوف من أن يصبح المسؤولون أكثر ارتباطًا بشبكات الممولين والجماعات القادرة على تمويل حملاتهم، بدلًا من الاعتماد بصورة أساسية على قاعدة واسعة من الناخبين.

لكن هناك وجهًا آخر للمسألة؛ فجمع الأموال يمكن أن يكون ضروريًا أيضًا للمرشحين الجدد، خصوصًا القادمين من خارج المؤسسات السياسية، حتى يتمكنوا من دفع تكاليف الموظفين والإعلانات والتنظيم والوصول إلى الناخبين.

لذلك فإن المشكلة لا تكمن ببساطة في وجود المال في السياسة، وإنما في اختلال توزيع الموارد والقدرة على التأثير عندما تكون الثروة مركزة في أيدي عدد محدود من الأفراد والجماعات.

هل يمكن إصلاح النظام؟

هناك محاولات عديدة للإصلاح، ويتركز بعضها على مستوى الولايات، خصوصًا في زيادة الشفافية والكشف عن المانحين الحقيقيين.

كما يطرح بعض المدافعين عن الإصلاح نظام التمويل العام القائم على التبرعات الصغيرة، بحيث تضاعف الأموال العامة مساهمات المواطنين الصغار، ما يمنح المرشحين حافزًا أكبر للتوجه إلى قاعدة واسعة من الناخبين بدل الاعتماد على عدد محدود من الممولين الكبار.

لكن إصلاح النظام يواجه عقبات قانونية وسياسية كبيرة، خصوصًا بسبب الأحكام القضائية التي اعتبرت قدرًا واسعًا من الإنفاق السياسي شكلًا من أشكال التعبير المحمي دستوريًا.

الخلاصة

الانتخابات الأميركية مكلفة ليس لأن التصويت نفسه يحتاج إلى مليارات الدولارات، بل لأن المنافسة على التأثير في الناخبين أصبحت صناعة مالية ضخمة.

وتسمح القواعد الحالية بتدفق مبالغ هائلة من الأفراد والشركات والجماعات إلى العملية السياسية، خصوصًا عبر Super PACs والكيانات التي تستطيع الإنفاق بصورة مستقلة عن الحملات.

وفي حين يرى مؤيدو النظام أن حماية الإنفاق السياسي جزء من حرية التعبير، يخشى منتقدوه من أن يؤدي تركيز المال إلى تركيز النفوذ، وأن تتحول الديمقراطية من منافسة بين الأفكار والمرشحين إلى منافسة بين شبكات التمويل الأكثر قدرة على شراء المساحات الإعلامية والوصول إلى الناخبين.

وهكذا، فإن السؤال الذي يظل مطروحًا في الولايات المتحدة ليس فقط كم تبلغ تكلفة الانتخابات؟ بل: من يملك القدرة على دفع ثمن التأثير في نتائجها، ومن يملك حق معرفة من يدفع

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا