السكة – المحطة الدولية
بينما يحرص عدد من القادة الأوروبيين على التأكيد أن الحرب الأميركية–الإسرائيلية على إيران ليست «حرب أوروبا»، تكشف تفاصيل العمليات العسكرية عن صورة أكثر تعقيدًا بكثير. فخلف التصريحات السياسية التي تنأى بالقارة عن الحرب، تقف عشرات القواعد العسكرية الأوروبية التي سمحت للولايات المتحدة باستخدامها في عمليات مرتبطة بالصراع، وفق ما أوردته تقارير ومصادر عسكرية.
وبعد نحو ستة أشهر من اندلاع الحرب، تبدو أوروبا عالقة بين موقف سياسي معلن يدعو إلى الابتعاد عن المواجهة، والتزامات عسكرية واستراتيجية تجعل عددًا من دولها جزءًا من البنية اللوجستية التي تعتمد عليها واشنطن في عملياتها ضد إيران.
وفي يونيو/حزيران، كشف الأمين العام لحلف شمال الأطلسي مارك روته أن دولًا أوروبية سمحت بإقلاع ما بين 4 آلاف و5 آلاف طائرة عسكرية أميركية مرتبطة بالعمليات في إيران من عشرات القواعد الأميركية المنتشرة على الأراضي الأوروبية.
وفي الوقت نفسه، تعرضت منشآت عسكرية بريطانية وفرنسية في الشرق الأوسط لهجمات إيرانية، ما دفع حكومات أوروبية إلى زيادة انتشارها العسكري في المنطقة، وأدخلها بصورة أعمق في تداعيات الحرب.
بريطانيا.. الحليف الأوروبي الأبرز لواشنطن
تبدو بريطانيا الأكثر انخراطًا أوروبيًا في الحرب، مستفيدة من علاقاتها العسكرية التاريخية مع الولايات المتحدة وشبكة قواعدها المنتشرة داخل أوروبا وخارجها.
وكان رئيس الوزراء البريطاني السابق كير ستارمر قد رفض في البداية السماح باستخدام القواعد الأميركية الموجودة على الأراضي البريطانية لشن هجمات على إيران، قبل أن يتراجع عن موقفه في الأول من مارس/آذار، ويسمح باستخدامها فيما وصفه بـ«غرض دفاعي محدد ومحدود».
ومن أبرز المنشآت المستخدمة قاعدة دييغو غارسيا البريطانية–الأميركية في المحيط الهندي، إلى جانب قاعدة RAF Fairford في غلوسترشاير، وهي القاعدة الأوروبية الوحيدة المؤجرة للقوات الجوية الأميركية والقادرة على استيعاب القاذفات الثقيلة المستخدمة في العمليات.
كما ساهمت قاعدتا Mildenhall وLakenheath في دعم العمليات، ولا سيما من خلال خدمة مقاتلات F-35 وطائرات التزويد بالوقود.
ولم يقتصر الدور البريطاني على توفير البنية التحتية للجيش الأميركي، إذ استخدمت لندن أيضًا قواتها المنتشرة في الشرق الأوسط لتنفيذ عمليات ضد طائرات مسيرة إيرانية، مبررة ذلك بأنه يأتي في إطار «الدفاع الجماعي» عن حلفائها في الخليج.
وردت طهران باعتبار القواعد البريطانية المستخدمة في الحرب «أهدافًا مشروعة»، وشنت هجمات على منشآت تستضيف قوات بريطانية في العراق وقطر والإمارات، كما أطلقت صاروخين باتجاه دييغو غارسيا في مارس/آذار، من دون إصابتهما الهدف.
فرنسا.. «لسنا طرفًا» لكن القواعد مفتوحة
اتخذت فرنسا موقفًا أكثر حذرًا، إذ شدد الرئيس إيمانويل ماكرون على أن أي مشاركة فرنسية ذات طابع «دفاعي» فقط.
وفي الثالث من مارس/آذار، وصف ماكرون الضربات الأميركية والإسرائيلية الأولى على إيران بأنها خارج إطار القانون الدولي، مؤكدًا أن باريس لا تستطيع الموافقة عليها.
لكن الموقف السياسي لم يمنع فرنسا من السماح لطائرات دعم عسكرية أميركية باستخدام قاعدتي Istres وAvord، مع تأكيد مسؤولين عسكريين فرنسيين حصولهم على ضمانات بأن هذه الطائرات لا تشارك مباشرة في الضربات على إيران.
كما اضطرت باريس إلى تعزيز انتشارها الجوي فوق الإمارات بعد تعرض قاعدة Camp de la Paix الفرنسية في أبوظبي لهجوم بطائرة مسيرة إيرانية. وتضم القاعدة أكثر من 750 عسكريًا فرنسيًا.
وفي المقابل، اتهمت إسرائيل والولايات المتحدة باريس بعرقلة مرور طائرات تحمل ذخائر إلى إسرائيل عبر المجال الجوي الفرنسي، فيما وصف الرئيس الأميركي فرنسا بأنها «غير متعاونة».
إسبانيا.. الاستثناء الأوروبي
إذا كانت دول أوروبية عديدة تحاول الإمساك بالعصا من المنتصف، فإن إسبانيا اختارت موقفًا أكثر وضوحًا.
وقال رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز، في خطاب متلفز بعد أيام من اندلاع الحرب: «لا للحرب»، مؤكدًا أن بلاده لن تسمح باستخدام القواعد الأميركية الموجودة على أراضيها في أي عمليات مرتبطة بالحرب.
ولم تكتفِ مدريد بذلك، إذ أغلقت مجالها الجوي أمام الطائرات العسكرية الأميركية، بما فيها طائرات التزود بالوقود، في خطوة لم تقدم عليها دولة أوروبية أخرى بالمستوى نفسه.
الموقف الإسباني أغضب الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الذي وصف إسبانيا بأنها «غير ودية»، قبل أن يهدد بتصعيد الإجراءات التجارية ضدها، بل وسبق أن دعا إلى إخراجها من حلف الناتو بسبب انخفاض إنفاقها الدفاعي.
ألمانيا.. قاعدة أميركية عملاقة في قلب أوروبا
تستضيف ألمانيا أكبر عدد من القوات الأميركية خارج الولايات المتحدة، بأكثر من 36 ألف جندي منتشرين في عشرات المنشآت العسكرية.
وتأتي قاعدة رامشتاين في مقدمة هذه المنشآت، باعتبارها أكبر قاعدة للقوات الجوية الأميركية خارج الولايات المتحدة والمقر الرئيسي للقوات الأميركية في أوروبا.
ورغم التكتم على طبيعة استخدام القاعدة خلال الحرب الحالية، فإن أهميتها الاستراتيجية ليست جديدة؛ فقد استخدمتها واشنطن في حروب سابقة لتنسيق عمليات جوية وضربات بطائرات مسيرة.
وكان المستشار الألماني فريدريش ميرتس قد أثار انتقادات داخلية بسبب موقفه من الضربات الأولى على إيران، قبل أن تتطور الخلافات لاحقًا بينه وبين ترامب بشأن إدارة الحرب والمفاوضات الرامية إلى إنهائها.
إيطاليا.. دعم لوجستي مع خطوط حمراء
تستضيف إيطاليا أكثر من 12 ألف عسكري أميركي في عشرات القواعد، ما يجعلها لاعبًا مهمًا في البنية العسكرية الأميركية داخل أوروبا.
لكن رئيسة الوزراء جورجيا ميلوني حاولت النأي ببلادها عن المشاركة المباشرة في الحرب، مؤكدة أن إيطاليا لن تشارك في الهجمات على إيران.
وردًا على تقارير عن استخدام مئات الطائرات الأميركية للقواعد الإيطالية، شددت ميلوني على أن تلك الطائرات لم تستخدم في عمليات قتالية.
وأثار انتشار مروحيات أميركية فوق صقلية انتقادات داخلية، كما شهدت قاعدة Sigonella خلافًا أدى مؤقتًا إلى رفض السماح لطائرات أميركية بالهبوط فيها.
ورغم العلاقة الوثيقة التي جمعت ميلوني بترامب، وصلت الخلافات إلى حد تهديد واشنطن بإعادة النظر في وجود قواتها في إيطاليا.
اليونان.. دعم محدود لكنه مؤثر
تؤكد أثينا منذ بداية الحرب أنها ليست طرفًا فيها، لكن دورها لم يكن معدومًا.
ففي مارس/آذار، سمحت اليونان لحاملة الطائرات الأميركية العملاقة USS Gerald R. Ford بالرسو في قاعدة سودا البحرية بجزيرة كريت لإجراء أعمال صيانة.
وتكتسب القاعدة أهمية استثنائية لكونها أحد المواقع القليلة في البحر المتوسط القادرة على خدمة حاملة الطائرات الأكبر في العالم.
كما شاركت وحدات دفاع جوي يونانية متمركزة في السعودية في إسقاط طائرات مسيرة إيرانية خلال مارس/آذار.
بلغاريا.. تحذير إيراني ورسالة دعم أميركية
سمحت بلغاريا للولايات المتحدة باستخدام قواعد عسكرية على أراضيها خلال الحرب، لكنها أصرت على أن الاستخدام يقتصر على أنشطة الرادار والتزود بالوقود، وليس العمليات الهجومية.
إيران لم تقبل بهذا التبرير، وحذرت بلغاريا من أنها قد تتحمل مسؤولية «القرار الخطير».
في المقابل، رحب ترامب علنًا بالموقف البلغاري، معتبرًا أن صوفيا تقف إلى جانب الولايات المتحدة وتدعم الوجود الجوي الأميركي رغم التهديدات الإيرانية.
رومانيا.. «دور دفاعي» على البحر الأسود
رومانيا، التي تستضيف نحو ألف جندي أميركي، سمحت لواشنطن باستخدام قواعدها الاستراتيجية على البحر الأسود في إطار عمليات مرتبطة بالحرب على إيران.
لكن الرئيس الروماني نيكوشور دان أكد أن الأنشطة الأميركية تقتصر على «دور دفاعي صارم».
وجاء القرار في وقت كانت فيه واشنطن قد بدأت تقليص وجودها العسكري في رومانيا، الأمر الذي أثار مخاوف في بوخارست بشأن مدى التزام الولايات المتحدة بالدفاع عنها في مواجهة أي تهديد محتمل من روسيا.
أوروبا ليست في الحرب.. أم أنها جزء منها؟
تكشف خريطة القواعد والتحركات العسكرية أن عبارة «هذه ليست حرب أوروبا» لا تعكس كامل الصورة.
فبينما رفضت دول مثل إسبانيا الانخراط في العمليات، ووضعت دول أخرى خطوطًا حمراء أمام المشاركة المباشرة، وفرت دول أوروبية عدة للجيش الأميركي قواعد ومطارات وموانئ ومنشآت للتزود بالوقود والصيانة والدعم اللوجستي.
وهنا تكمن المفارقة الكبرى: قد لا تكون الجيوش الأوروبية هي التي تقصف إيران مباشرة، لكن جزءًا من البنية التحتية التي تجعل العمليات الأميركية ممكنة موجود داخل أوروبا.
ومع استمرار الحرب وتصاعد التهديدات الإيرانية ضد القواعد التي تستخدمها واشنطن، تجد الحكومات الأوروبية نفسها أمام معادلة شديدة الخطورة: الحفاظ على التحالف العسكري مع الولايات المتحدة من جهة، وتجنب الانجرار إلى حرب لا تحظى بشعبية واسعة داخل القارة من جهة أخرى.
وبذلك، لم تعد القضية مجرد سؤال عن الدول التي «تشارك» في الحرب، بل عن الدول التي توفر لها القواعد والسماء والموانئ والوقود والغطاء اللوجستي.
وفي حرب بهذا الحجم، قد يكون الفرق بين «المشاركة» و«الدعم» سياسيًا أكثر منه عسكريًا.
المصدر : ميديل إيست آي

