الثلاثاء, أغسطس 11, 2026

الأكثر

الرئيسيةالمحطة الرئيسيةإستهداف عبد الرحمن السيد بفيديو «أسلمة ديربورن» يشعل أمريكا.

إستهداف عبد الرحمن السيد بفيديو «أسلمة ديربورن» يشعل أمريكا.

السكة – محطة الجاليات العربية

ملايين المشاهدات واتهامات بفرض الشريعة.. فيديو ديني قديم يتحول إلى وقود سياسي ضد المسلمين والمهاجرين في ميشيغان

انتشر خلال الأيام الماضية مقطع فيديو على نطاق واسع، زعم ناشروه أنه يوثق مظاهرة لمسلمين في مدينة ديربورن بولاية ميشيغان للمطالبة بتطبيق الشريعة الإسلامية، قبل أن يتحول المقطع خلال ساعات إلى مادة سياسية استُخدمت للتحذير مما وصفه متداولوه بـ«أسلمة ميشيغان».

وسرعان ما ارتبط الفيديو بالسباق السياسي في الولاية، وتحديدًا بالمرشح الديمقراطي من أصول عربية عبد الرحمن السيد، في محاولة لتقديم المشاهد باعتبارها دليلًا على ما قد تؤول إليه الولاية في حال وصول سياسيين من أصول عربية ومسلمة إلى مواقع السلطة.

لكن المفاجأة جاءت بعد تتبع أصل الفيديو وسياقه: المقطع لا يوثق مظاهرة سياسية للمطالبة بتطبيق الشريعة، وإنما فعالية دينية شيعية سنوية لإحياء ذكرى أربعينية الإمام الحسين في ديربورن.

من «مظاهرة لتطبيق الشريعة» إلى ملايين المشاهدات

بدأ انتشار الرواية على نطاق واسع في 5 أغسطس/آب، عندما نشر حساب يحمل اسم «د. معلوف» المقطع، متسائلًا عن كيفية تصويت أي شخص لصالح عبد الرحمن السيد بعد مشاهدة ما يحدث في ديربورن.

ولم يتوقف الأمر عند هذا المنشور، إذ حصد الفيديو ملايين المشاهدات، قبل أن ينتقل إلى حسابات أخرى وبعدد من اللغات، ثم أعاد نشره ناشطون وشخصيات معروفة بمواقفها المناهضة للهجرة والمسلمين.

وفي منشورات لاحقة، جرى تقديم المشاهد على أنها دليل على أن المسلمين في ميشيغان أصبحوا أغلبية، وأنهم يسعون إلى فرض الشريعة الإسلامية، في سردية توسعت بسرعة رغم غياب أي دليل في الفيديو نفسه على وجود مطالب سياسية من هذا النوع.

«الغزو الصامت».. كيف تحولت فعالية دينية إلى رواية سياسية؟

لم يقتصر تداول المقطع على الادعاء بوجود مظاهرة سياسية، بل أُرفقت به روايات أكثر حدة.

فقد نشر حساب باللغة الإسبانية يحمل اسم «vicmies» الفيديو مدعيًا أن «مسلمي ميشيغان يحتفلون بمظاهرة للمطالبة بتطبيق الشريعة الإسلامية بالكامل»، وربط ذلك بادعاءات عن تحول المسلمين إلى أغلبية في الولاية.

كما روج الحساب لما وصفه بـ«الغزوات الصامتة»، عبر سردية تقوم على أن المجتمعات المسلمة تبدأ بالمطالبة بالتسامح، ثم التمثيل السياسي، وصولًا -بحسب هذا الطرح- إلى محاولة فرض الدين على المجتمع.

وهي رواية لم يقدم الفيديو نفسه أي دليل يؤيدها.

اليمين المتطرف يلتقط الفيديو ويعيد تدويره

وسرعان ما انتقل المقطع إلى حسابات ذات حضور واسع في أوساط اليمين المتطرف والمناهض للهجرة.

وأعاد الصحفي الإسباني خافيير نيغري نشر الفيديو بعد ترجمته إلى الإنجليزية، ليحصد المنشور نحو مليون مشاهدة.

كما شارك الناشط البريطاني تومي روبنسون، المعروف بخطابه المناهض للمهاجرين والمسلمين، المقطع، مستخدمًا لغة تحريضية وصف خلالها المشاهد بأنها أشبه بـ«فيلم رعب».

وذهب روبنسون إلى القول إن ما يظهر في الفيديو «ليس طبيعيًا» و«ليس ما تمثله أمريكا»، داعيًا إلى ما وصفه بـ«نزع الأسلمة» عن ديربورن.

وهكذا، انتقل الفيديو من مجرد منشور على مواقع التواصل إلى أداة في خطاب سياسي أكثر اتساعًا يستهدف المسلمين والمهاجرين في الولايات المتحدة.

الادعاء يصل إلى الكونغرس

لم يتوقف انتشار الرواية عند الناشطين والمؤثرين، بل وصلت إلى شخصيات سياسية أمريكية بارزة.

فقد استخدم أعضاء في الكونغرس المقطع في انتقاداتهم للهجرة والمسلمين، ما منح الادعاء المضلل دفعة إضافية وساعد على إيصاله إلى جمهور أوسع.

ونشر عضو الكونغرس الجمهوري راندي فاين تعليقات هاجم فيها الهجرة وما وصفه بالتسامح مع الأجانب.

كما استخدمت النائبة الجمهورية نانسي ميس الفيديو في انتقادها للمشاهد، مؤكدة أن ما يظهر فيه حدث في ديربورن، قبل أن تقارن المدينة في منشور حاد بأماكن ودول أخرى، متسائلة عن طبيعة ما يحدث «في أمريكا».

وهكذا اكتسب الادعاء، مع انتقاله من حسابات التواصل الاجتماعي إلى شخصيات سياسية، مظهرًا من المصداقية لدى بعض المتابعين، رغم أن محتوى الفيديو نفسه لا يثبت الرواية التي أُرفقت به.

لكن ماذا يظهر الفيديو فعلًا؟

عند العودة إلى مصدر المقطع وتتبع النسخ الأصلية منه، يتبين أن المشاهد تعود إلى فعالية دينية شيعية لإحياء ذكرى أربعينية الإمام الحسين في مدينة ديربورن بولاية ميشيغان.

وظهر المقطع في حساب على إنستغرام يحمل اسم «tears_of_rukaya»، إلى جانب مقاطع أخرى من المناسبة نفسها، فيما وصفت منشورات مرتبطة بالحدث الفعالية بوضوح بأنها تجمع لإحياء ذكرى الأربعين.

كما أن المراجعة البصرية للمشاهد لا تظهر أي شعارات أو لافتات تطالب بتطبيق الشريعة الإسلامية أو فرض نظام ديني على المدينة.

بل تظهر أعلام ولافتات تحمل عبارات دينية مرتبطة بالإمام الحسين وأهل البيت، في سياق يتوافق مع طبيعة المناسبة الدينية.

من مناسبة دينية إلى «مؤامرة أسلمة».. كيف يصنع التضليل روايته؟

تكشف هذه القصة كيف يمكن لمقطع حقيقي، صُوّر في مكان حقيقي ويظهر حدثًا حقيقيًا، أن يتحول إلى معلومة مضللة بمجرد تغيير عنوانه وسياقه.

فالمشكلة لم تكن في صحة الصور نفسها، وإنما في الرواية التي أُسقطت عليها.

فعالية دينية تحولت في المنشورات إلى «مظاهرة سياسية»، والأعلام الدينية قُدمت باعتبارها شعارات للمطالبة بتطبيق الشريعة، بينما جرى ربط المشاهد بملف الهجرة والانتخابات وصعود السياسيين المسلمين.

وبذلك، لم يعد الفيديو مجرد تسجيل لمناسبة دينية، بل أصبح أداة سياسية استُخدمت لإثارة المخاوف من «أسلمة» ديربورن وميشيغان، وتأجيج الخطاب المعادي للمسلمين والمهاجرين.

الخلاصة

الفيديو حقيقي، لكن الرواية المرافقة له مضللة.

فالمشاهد لا توثق، وفق تتبع مصدرها وسياقها، مظاهرة سياسية للمطالبة بتطبيق الشريعة الإسلامية، وإنما فعالية دينية شيعية لإحياء ذكرى أربعينية الإمام الحسين في ديربورن.

وبينما حصد الادعاء ملايين المشاهدات ووصل إلى شخصيات سياسية بارزة، تكشف عملية التحقق أن تغيير السياق كان كافيًا لتحويل مناسبة دينية إلى قصة سياسية مثيرة للجدل

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا