السبت, سبتمبر 26, 2026

الأكثر

الرئيسيةمحطة المقالاتحين يتحول الأسير إلى ورقة انتخابية.. كيف تُستغل معاناة الأسرى الفلسطينيين في...

حين يتحول الأسير إلى ورقة انتخابية.. كيف تُستغل معاناة الأسرى الفلسطينيين في الدعاية السياسية داخل كيان الاحتلال؟

السكة – محطة المقالات – ثامر سباعنة

في عالم السياسة، هناك ملفات تُناقش لأنها تمس حياة الناس وحقوقهم، وهناك ملفات تتحول إلى أدوات في معارك الانتخابات والصراع على أصوات الناخبين. ويبدو أن قضية الأسرى الفلسطينيين أصبحت، في كثير من الأحيان، واحدة من أكثر الملفات حضورًا في الخطاب السياسي الإسرائيلي، ليس باعتبارها قضية إنسانية تستوجب النقاش حول القانون والحقوق، وإنما باعتبارها ورقة يمكن استخدامها لاستقطاب الناخب الإسرائيلي وتعزيز صورة السياسي بوصفه الأكثر تشددًا في مواجهة الفلسطينيين.

ومع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية، تتزايد قيمة الصورة والمشهد والرسالة القصيرة التي يمكن نشرها عبر وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي. وفي هذا السياق، يظهر ملف الأسرى باعتباره مادة سياسية جاهزة: زيارة إلى أحد السجون، تصريحات عن تشديد الإجراءات، الحديث عن تقليص الطعام أو الزيارات أو ما يسمى “امتيازات الأسرى”، ثم نشر الصور والمقاطع باعتبارها دليلًا على تنفيذ وعود انتخابية.

ومن أبرز الأمثلة الحديثة ما نشره وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير في أغسطس/آب 2026 من مقطع مصور خلال زيارة لقسم الأسيرات الفلسطينيات في سجن الدامون. ظهر بن غفير في المقطع وهو يواجه الأسيرات بشأن ظروف احتجازهن، ويتحدث عن السياسات التي اتبعها تجاه الأسرى. وقد نُشر الفيديو في أجواء الحملة الانتخابية، فيما اعتبرت جهات حقوقية أن استخدام السجن والمحتجزات في هذا السياق يحمل طابعًا انتخابيًا، وطالبت بإزالته.

المشهد هنا يتجاوز مجرد تصريح سياسي؛ فالأسير يتحول إلى جزء من الصورة الانتخابية، ومعاناته إلى رسالة موجهة إلى الناخب. وكلما ظهر السياسي أكثر تشددًا في التعامل مع الأسرى، استطاع أن يقدم نفسه لجمهوره باعتباره الرجل الذي “لا يقدم تنازلات”، وأنه قادر على تحويل السجون إلى مساحة لإظهار القوة والردع.

وهذه ليست ظاهرة بدأت بالأمس. فمنذ تولي بن غفير حقيبة الأمن القومي عام 2022، وضع قضية الأسرى الفلسطينيين في صلب أجندته السياسية، وتحدث مرارًا عن تشديد ظروف احتجازهم وتقليص ما يصفه بالامتيازات. وقد وثقت تقارير صحفية وحقوقية سياسات وإجراءات مختلفة اتخذت في هذا الاتجاه، بما في ذلك القيود على الزيارات والطعام والاستحمام وظروف الحياة داخل السجون.

لكن الأخطر في هذه المعادلة هو أن الإنسان المختفي خلف القضبان يفقد حضوره الإنساني، ويصبح مجرد “رقم” أو “صورة” أو “رسالة انتخابية”. لا يعود السؤال: كيف يجب أن يعامل الإنسان المحتجز وفق القانون؟ وما حقوقه الأساسية؟ وما الضمانات التي يجب أن تتوفر له؟ بل يصبح السؤال السياسي: من يستطيع أن يكون أكثر قسوة؟

وهنا تتحول معاناة الأسرى إلى سوق للمزايدة السياسية.

يقدم كل طرف نفسه لجمهوره باعتباره أكثر قدرة على فرض السيطرة، وأكثر تشددًا في التعامل مع الفلسطينيين. وفي مثل هذا الخطاب، يصبح تشديد ظروف الاعتقال إنجازًا سياسيًا، والحرمان من بعض الحقوق مادة للدعاية، وإظهار القسوة وسيلة لإثبات القوة.

ولا يقتصر الأمر على التصريحات المباشرة. فوسائل التواصل الاجتماعي جعلت من السجون نفسها مسرحًا سياسيًا. صورة أو مقطع فيديو قد ينتشر خلال ساعات، ويصل إلى مئات الآلاف أو الملايين، ويمنح السياسي مساحة دعائية لا تحتاج إلى مؤتمر انتخابي ولا إلى خطاب طويل.

وهنا يجب أن نتوقف عند سؤال أخلاقي وإنساني بالغ الأهمية: ماذا يحدث عندما تصبح معاناة إنسان معتقل جزءًا من الحملة الانتخابية؟

فالأسير ليس أداة دعائية. والأسيرة ليست خلفية لمقطع انتخابي. والزنزانة ليست منصة انتخابية. والحقوق الأساسية لا ينبغي أن تتحول إلى جوائز يمنحها السياسي أو يسحبها بحسب حاجته إلى كسب الأصوات.

وقد وثقت تقارير حقوقية وإعلامية شهادات عن تدهور ظروف الأسرى الفلسطينيين داخل السجون الإسرائيلية، بما في ذلك نقص الطعام والماء والظروف الصحية الصعبة وسوء المعاملة. وفي الوقت نفسه، فإن السلطات الإسرائيلية تقدم سياساتها باعتبارها إجراءات أمنية وعقابية مرتبطة بالمخاطر التي تنسبها إلى الأسرى. لذلك فإن النقاش الموضوعي يجب أن يميز بين هذه المواقف المتعارضة وبين الوقائع المتعلقة بظروف الاحتجاز وحقوق المحتجزين.

إن تحويل الأسرى إلى مادة للمنافسة الانتخابية لا يغيّر حقيقة قضيتهم، لكنه يكشف شيئًا مهمًا عن طبيعة الخطاب السياسي الذي يُبنى على معاناتهم. فحين يصبح مقدار القسوة معيارًا للمنافسة بين السياسيين، يصبح الإنسان هو الخاسر الأول، وتصبح معاناته وقودًا لصراع سياسي لا علاقة له بكرامته وحقوقه.

وربما تكون المفارقة الأكبر أن الأسير، رغم وجوده خلف القضبان، يستطيع أن يتحول إلى أحد أكثر الحاضرين في الحملات الانتخابية. يظهر في الصور، وفي المقاطع المصورة، وفي التصريحات، وفي الشعارات، بينما لا يملك هو نفسه حق الرد أو اختيار الطريقة التي تُستخدم بها صورته ومعاناته.

وهنا تكمن المأساة الحقيقية: أن يتحول السجن من مكان لسلب الحرية إلى مساحة لصناعة الدعاية السياسية.

قضية الأسرى تحتاج إلى نقاش مختلف؛ نقاش يعيد الإنسان إلى مركز الصورة، ويضع القانون والكرامة والحقوق في مقدمة الحديث، بدل أن يجعل من الألم وسيلة لجمع الأصوات.

فالانتخابات تنتهي، والحملات تتغير، والشعارات تسقط بعد إغلاق صناديق الاقتراع، لكن الأسير يبقى خلف القضبان، يحمل وحده آثار تلك السياسات، بينما ينتقل السياسي إلى معركة انتخابية جديدة.

ولهذا، فإن السؤال الذي يجب أن يبقى حاضرًا ليس: من السياسي الأكثر تشددًا تجاه الأسرى؟

بل: متى يتوقف الإنسان عن أن يكون ورقة في لعبة السياسة؟

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا