الأحد, سبتمبر 27, 2026

الأكثر

الرئيسيةمحطة المقالاتالأسرى الفلسطينيون بعد 7 أكتوبر.. حين تغيّر وجه السجن

الأسرى الفلسطينيون بعد 7 أكتوبر.. حين تغيّر وجه السجن

السكة – محطة المقالات – بقلم ثامر سباعنة

لم يكن السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023 يوماً عابراً في حياة الفلسطينيين، ولم تتوقف آثاره عند حدود الميدان أو الجغرافيا. فهناك خلف القضبان أيضاً بدأت مرحلة جديدة، تغيّر فيها وجه السجن، وتبدلت تفاصيل الحياة اليومية للأسرى الفلسطينيين، وتحولت أشياء كانت تبدو بسيطة في السابق إلى مطالب أساسية من أجل البقاء.

منذ ذلك التاريخ، دخل الأسرى مرحلة يمكن وصفها بأنها من أكثر المراحل قسوة في تاريخ الحركة الأسيرة. لم يعد السجن مجرد جدران وأسلاك وأبواب مغلقة، بل أصبح، وفق شهادات أسرى محررين وتقارير حقوقية، مساحة يتداخل فيها الحرمان من الحرية مع التجويع والعنف والإذلال والحرمان من العلاج والتضييق على أبسط الاحتياجات الإنسانية.

من سجن إلى معركة يومية من أجل البقاء

كان الأسير الفلسطيني، قبل السابع من أكتوبر، يعيش حياة قاسية بطبيعتها، لكنه استطاع على مدار عقود أن يبني داخل السجن منظومة من الصمود والتنظيم والتكافل، وأن يحافظ على قدر من الحياة الجماعية رغم القيود.

بعد السابع من أكتوبر، تعرضت كثير من هذه المساحات للتفكيك.

تقلصت القدرة على التواصل مع العالم الخارجي، وتراجعت الزيارات، وواجه المحامون صعوبات في الوصول إلى المعتقلين، كما بقي الوصول الإنساني إلى أماكن الاحتجاز محدوداً للغاية. وفي الوقت نفسه، ازدادت أعداد المعتقلين بصورة كبيرة، الأمر الذي أدى إلى اكتظاظ شديد في مرافق الاحتجاز.

وهكذا أصبح الأسير يواجه السجن مرتين: مرة بسبب الجدران التي تحيط به، ومرة بسبب الظروف التي فُرضت عليه داخل تلك الجدران.

الطعام لم يعد مجرد طعام

من أكثر التحولات إيلاماً ما يتعلق بالطعام.

فالطعام في السجن ليس مجرد وجبة يحتاجها الإنسان ليعيش، وإنما هو جزء من كرامته وقدرته على الصمود. ومع تراجع كمية الطعام ونوعيته، أصبح الجوع حاضراً في تفاصيل الحياة اليومية لكثير من الأسرى.

الجسد الذي كان يقاوم سنوات الاعتقال أصبح مطالباً بالصمود أمام نقص الغذاء، وفقدان الوزن، والإرهاق والمرض.

وحين يجتمع الجوع مع الضغط النفسي والعنف والحرمان من النوم والعلاج، فإن المسألة تتجاوز كونها ظروفاً معيشية صعبة، لتصبح تهديداً مباشراً لصحة الإنسان وقدرته على الاحتمال.

المرض بلا علاج كافٍ

أما العلاج، فقد تحول هو الآخر إلى واحدة من أكثر القضايا خطورة.

الأسير المريض لا يحتاج إلى الكثير حتى يشعر بالخوف؛ يكفي أن يعرف أن الدواء الذي يحتاجه قد لا يصل، أو أن الفحص الطبي قد يتأخر، أو أن الألم الذي يعاني منه قد لا يجد استجابة.

وتزداد خطورة الأمر عندما يكون الأسير مصاباً بمرض مزمن أو يحتاج إلى تدخل جراحي أو متابعة طبية مستمرة.

وقد ارتبطت السنوات التي تلت السابع من أكتوبر بارتفاع مقلق في عدد الوفيات داخل أماكن الاحتجاز، وهو ما جعل قضية الرعاية الطبية للأسرى واحدة من أكثر الملفات إلحاحاً وخطورة.

الاعتقال الإداري واتساع دائرة المحتجزين

ومن أبرز التحولات التي شهدتها هذه المرحلة اتساع استخدام الاعتقال الإداري.

فالأسير الإداري قد يجد نفسه خلف القضبان دون محاكمة ودون أن يعرف متى تنتهي فترة احتجازه، فيعيش في حالة من الانتظار المفتوح، حيث يمكن تمديد الاعتقال مرة بعد أخرى.

وهذا النوع من الاعتقال لا يسلب الإنسان حريته فقط، بل يسلبه أيضاً القدرة على التخطيط ليومه وغده، ويضع عائلته في دائرة دائمة من القلق وعدم اليقين.

وبعد السابع من أكتوبر، اتسعت دائرة الاعتقال لتشمل أعداداً كبيرة من الفلسطينيين، الأمر الذي جعل السجون ومراكز الاحتجاز جزءاً من مشهد أوسع من الاعتقالات الجماعية.

حين يصبح الجسد ساحة للعقاب

الشهادات التي خرجت إلى العلن بعد الإفراج عن عدد من الأسرى حملت روايات مؤلمة عن الضرب والإهانات والتفتيش القاسي والحرمان من النوم والعنف النفسي والجسدي.

والأخطر من الألم الجسدي هو محاولة كسر الإنسان من الداخل.

فالأسير لا يحمل جسده وحده إلى الزنزانة؛ يحمل معه كرامته وذكرياته وعائلته وإيمانه وأمله بالحرية. ولذلك فإن الإهانة المتكررة ومحاولة إذلاله تستهدف، في أثرها النفسي، أكثر من الجسد.

لكن التجربة الفلسطينية في الأسر تقول شيئاً آخر أيضاً: أن الإنسان قد يُحاصر جسده، لكن ليس من السهل دائماً أن تُحاصر إرادته.

الدين والخصوصية والتفاصيل الصغيرة

في السجن، تصبح التفاصيل الصغيرة كبيرة.

أن تصلي دون خوف، أن تقرأ القرآن، أن تحصل على ملابس مناسبة، أن تستحم، أن تنام دون أن تُزعج، أن تتحدث مع عائلتك، أن تعرف أخبار أبنائك، أن يطمئن قلبك على أمك وأبيك.

هذه الأمور قد تبدو طبيعية للإنسان خارج السجن، لكنها بالنسبة للأسير يمكن أن تتحول إلى امتيازات ينتظرها ويقاتل من أجل الحفاظ عليها.

وقد تحدث أسرى محررون عن تضييقات طالت الممارسات الدينية والممتلكات الشخصية واحتياجات النظافة وغيرها من تفاصيل الحياة اليومية.

السجن الذي دخل إلى البيت

وللأسير عائلة تعيش الاعتقال معه.

حين يُمنع الأسير من الاتصال، تبقى الأم معلقة بين الهاتف والباب. وحين يتأخر خبر الأسير، يبدأ الخوف في بناء أسئلته الخاصة.

هل هو بخير؟
هل حصل على الدواء؟
هل تناول طعامه؟
هل تعرض للضرب؟
هل ما زال حياً؟

ولهذا فإن ما بعد السابع من أكتوبر لم يكن تحولاً في حياة الأسرى وحدهم؛ بل كان تحولاً في حياة آلاف العائلات التي أصبحت تعيش مع الخوف والانتظار والقلق.

ومع ذلك.. بقيت إرادة الحياة

ربما تكون هذه هي المفارقة الأكبر في تجربة الأسرى.

كلما ضاقت مساحة الحياة، حاول الأسير أن يصنع لنفسه مساحة أخرى.

كتاب يُقرأ، آية تُحفظ، صلاة تُقام، قصة تُروى، ابتسامة تُنتزع من بين الألم، أو كلمة أمل يقولها أسير لرفيقه.

هذه التفاصيل الصغيرة تصبح شكلاً من أشكال المقاومة النفسية للانهيار.

فالأسير يعرف أن السجن يريد أن يجعله رقماً، لكنه يصر على أن يبقى إنساناً.

يعرف أن الجدار يريد أن يقنعه بأن العالم نسيه، لكنه يحتفظ بصورة أمه وأطفاله وبيته وبلده.

ويعرف أن الزمن داخل السجن ثقيل، لكنه ينتظر اليوم الذي يُفتح فيه الباب.

ما بعد السابع من أكتوبر.. مسؤولية لا تنتهي

إن التحولات التي طرأت على حياة الأسرى بعد السابع من أكتوبر تضع قضية الأسرى أمام مسؤولية أكبر: مسؤولية توثيق ما حدث، وحماية الشهادات، ومتابعة أوضاع المعتقلين، والدفاع عن حقهم في المعاملة الإنسانية والرعاية الطبية والحقوق القانونية الأساسية.

فالأسرى ليسوا أرقاماً في نشرات الأخبار، وليسوا ملفات مؤجلة.

خلف كل اسم إنسان، وخلف كل إنسان عائلة، وخلف كل عائلة قصة من الانتظار.

وقد تتغير الظروف السياسية والعسكرية، وقد تتغير أسماء السجون والإجراءات، لكن الحقيقة التي يجب ألا تضيع هي أن الحرية حق، وأن الكرامة الإنسانية لا ينبغي أن تكون قابلة للتجزئة.

بعد السابع من أكتوبر تغيّر وجه السجن كثيراً، لكن شيئاً واحداً بقي ثابتاً في وجدان الأسرى: أن الباب مهما طال إغلاقه، سيأتي يوم يُفتح فيه. وأن الإنسان الذي يحافظ على إنسانيته خلف القضبان، يكون قد أفشل أهم أهداف السجن.

 

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا