السكة – المحطة الأخيرة
عناق داخل قاعة محكمة مصرية أثار أسئلة تجاوزت جدرانها، فأب فقد طفليه اقترب من إحدى المتهمات بقتلهما واحتضنها، بالتزامن مع إعلانه التصالح. ومع تداول المشهد، تصاعد الجدل بشأن دوافع موقفه، ومصير قضية لم تُقل كلمتها الأخيرة أمام القضاء.
“أمي متهونش عليا”
المرأة التي احتضنها الأب هي والدته، جدة الطفلين والمتهمة الرئيسية في القضية، وتواجه شقيقتها وابنتها الاتهام نفسه.
وبحسب الصحافة المصرية، أعلن الأب أمام المحكمة عدم تصديقه تورط أسرته في الجريمة، ونقلت عنه قوله: “أمي متهونش عليا واستعوضت ربنا في ولادي”، وسمحت المحكمة لوالدته باحتضانه.
ولم يقتصر الأمر على العناق، فقد قدم محامي ورثة الطفلين إقرارا رسميا بتصالح والديهما مع المتهمات الثلاث، تضمن العدول عن اتهام المتهمة الثالثة، عمة الطفلين.
عناق يثير الاعتراض
المقطع المتداول استدعى تعليقات غاضبة تساءل أصحابها عن إمكان مسامحة المتهمة بقتل طفلين، ولو كانت والدة أبيهما. ورأى منتقدون في التنازل تخليا عن حقوق الصغيرين، واعترضوا على تقديم المشهد بوصفه تعبيرا عن بر الوالدين.
وبعض التعليقات استحضر المقولة الشعبية “ما أعز من الولد إلا ولد الولد”، متسائلا عن التناقض بين الصورة المعتادة لحنان الجدة وطبيعة الاتهامات التي تواجهها. وتركزت اعتراضات أخرى على ما تنسبه التحقيقات إلى المتهمات من استهداف الطفلة، ثم انتظار ولادة شقيقها لاستهدافه أيضا.
وفي مقابل اعتبار التصالح قرارا عائليا، شدد معلقون على أن القضية تتجاوز الأسرة، وأن التنازل لا ينبغي أن ينهي مساءلة المتهمات عن جريمة تمس المجتمع أيضا. وهي تعليقات تعكس مواقف أصحابها، بينما تظل مسؤولية كل متهمة مسألة تفصل فيها المحكمة.
خلف رواية الثعبان
تفاصيل الاتهام تعود إلى منزل الأسرة بقرية الأخصاص التابعة لمركز الصف. ووفقا لأمر الإحالة المنشور في الصحف المصرية، تتهم النيابة الجدة وشقيقتها وابنتها باستهداف رحمة في مارس/آذار الماضي، بدافع الانتقام من والدتها بسبب خلافات أسرية.
الأم قالت في شهادتها إن صراخ ابنتها دفعها إلى التوجه نحوها، لتلاحظ آثار إصابات في بطنها. والتفسير الذي تلقته آنذاك كان أنها تعرضت للدغة ثعبان. ونُقلت الطفلة للعلاج، وخضعت لعمليات جراحية في مستشفى “أبو الريش” للأطفال.
لكن التحقيقات قدمت رواية مختلفة، إذ نسبت إلى المتهمات حقن الطفلة بالكلور، ثم التخطيط لاستهداف شقيقها الذي كانت أمه تحمله جنينا. وبحسب أمر الإحالة، تكررت الواقعة مع رحيم بعد ولادته، وتوفي في أبريل/نيسان. أما رحمة فبقيت تتلقى العلاج حتى وفاتها في 24 مايو/أيار.
قرار الأم
موقف والدة الطفلين تكشّف عبر محاميها أسامة حسن، الذي قال إنها غادرت منزل الزوجية بعد المأساة، ثم تدخل أقاربها وكبار البلدة لإصلاح العلاقة بينها وبين زوجها.
وبحسب المحامي، شمل الاتفاق توفير الزوج شقة خارج البلدة، بعيدا عن أسرته والمنزل الذي شهد الواقعة، وعادت الزوجة للعيش معه. وأضاف أنها أبلغته بقرار التنازل قبل الجلسة بنحو 48 ساعة، وحررت له توكيلا خاصا لتقديم إقرار التصالح.
هل ينتهي الملف بالتنازل؟
المحامي بالنقض عمرو عبد السلام أوضح، في تصريحات لموقع محلي، أن القتل العمد من جرائم الحق العام، ولا تنقضي الدعوى الجنائية فيه بالتصالح. وقد تنظر المحكمة إلى التنازل عند تقدير الرأفة، لكنه لا يلزمها بالتخفيف أو البراءة.
وأمام المحكمة، أنكرت المتهمات ما نُسب إليهن، وتمسك الدفاع بطلب مناقشة الطبيبين الشرعيين بشأن تقرير الصفة التشريحية. وحددت المحكمة جلسة 9 ديسمبر/كانون الأول للمرافعة، ليبقى ملف مقتل رحمة ورحيم مفتوحا رغم التصالح.

