السكة – محطة المقالات
بقلم ثامر سباعنة – فلسطين
منذ اللحظة الأولى للاعتقال يستخدم الاحتلال كلّ وسائل القمع والتنكيل والإذلال بحقّ الأسرى والأسيرات، فيستخدم التفتيش العاري المبالغ فيه منذ لحظة الاعتقال الأولى في بيوت الأسرى، وفي محطّات التنقّل قبل الوصول للسجن، أو مركز التحقيق. ومنذ بداية العام استمرّت دولة الاحتلال في تفتيش الأسرى والأسيرات والأشبال بشكل عارٍ أو شبه عارٍ الدى وصولهم إلى السجون الإسرائيليّة، وفي الحالات التي يُنقل فيها الأسرى إلى مراكزً التوقيف أو التحقيق يتمّ تفتيشهم، ولكنّ هذا لا يُغني دولة الاحتلال عن التفتيش مرّة أخري لدى نقلهم إلى السجون. يتمّ التفتيش من خلال إرغام الأسري على نزع ملابسهم كافّةً، بما في ذلك الملابس الداخليّة -في الغالبيّة العظمى من الأحيان- ومن ثمّ يتمّ التفتيش من قبل المجنّدات للأسيرات والمجنّدين للأسرى الذكور.
بالرغم من أن التفتيش العاري المذلّ يشكّل بحدّ ذاته انتهاكاً لحقوق الإنسان، إلّا أنّ قوّات الاحتلال تقوم بانتهاكات عديدة أثناء القيام بالتفتيش العاري، منها: ضرب الأسرى والأسيرات، واستهداف المناطق الحسّاسة في الجسم وهم عراة، سواء من خلال الضرب بالأيدي، أو بالأرجل، أو بأجهزة التفتيش (الماغنوميتر)، وإضافة إلى التحرّش الجنسيّ من خلال مسك الأعضاء التناسليّة للأسرى، وسياسة التحرش اللفظيّ التي تمّ توثيقها من قبل مجموعة كبيرة من الأسرى، وأيضاً سياسة الشتم والتهديد، وحتّى في بعض الأحيان وصلت الانتهاكات حدّ تصوير بعض الأسرى من قبل الجنود في هواتفهم الشخصيّة.
لم يكتفِ السجانون بما سبق بل في بعض الحالات الموثقة قام السجانون بإدخال عصي حديدية او جزر في مؤخرة بعض الاسرى، والاحتكاك الجسدي بين جسد السجان وجسد الأسير المُكبل بشكل استفزازي، كشفت إفادات مختلفة عن الاستخدام المتكرّر للعنف الجنسي بدرجات خطورة متفاوتة من قبل الجنود أو السجّانين ضدّ الأسرى الفلسطينيّين كوسيلة عقابيّة إضافيّة، ووصف الشهود تعرّض الأسرى عراة للضرب باستخدام الأدوات المعدنيّة والهراوات لإلحاق الألم بالأعضاء التناسليّة ، و تصوير السجناء وهم عراة، الإمساك بأعضائهم التناسليّة وتفتيشهم وهم عراة تمامًا، بغرض التحقير والإذلال. كما كشفت الإفادات أيضًا عن حالات عنف واعتداء جنسي جماعي ارتكبتها معًا مجموعة من السجانين أو الجنود.
القانون الدولي
إنّ حظر اللجوء إلى العنف الجنسي مستمدّ من حظر التعذيب ومن واجب حماية الكرامة الإنسانيّة للسجناء. إنّ المادة 27 من اتّفاقيّة جنيف الرابعة، التي تنصّ على وجوب حماية الكرامة الإنسانيّة للسجين – في جميع الأوقات – كانت قد فسرتها المحكمة الجنائيّة الدوليّة ليوغوسلافيا في قضيّة Delalic، والتي أقرّت بأن واجب حمابة الكرامة الإنسانية يشمل في طيّاته حظر اللجوء إلى العنف الجنسي. وحظي مفهوم “العنف الجنسي” بتفسير موسّع في القانون الدولي. فالمحكمة الجنائيّة في قضيّة رواندا أقرّت في ملفّ Akayesu أنّ العنف الجنسي قد يتجلّى، ضمن أمور أخرى، من خلال الإهانة أو التحمير على خلفيّة جنسيّة.
وأقِرّ أيضًا أنّ هذه الأفعال قد تصل إلى مستوى التعذيب على النحو المحدّد في القانون الدولي، وهو التعريف الذي يمكن العثور على حظر مماثل أيضًا في معاهدة روما التي تنص على أن العنف الجنسي المرتكب بشكل منهجي ضدّ السكّان المدنيين يعتبر بمثابة جريمة ضدّ الإنسانيّة، كما تنص المادّة 54 من المعاهدةعلى أنّه يجب على المدعي الجنائي للمحكمة، في إطار أداء مهامه، أن يولي اهتماما خاطًا بالجرائم أو بالمخالفات التي من النوع المذكور .
وفي تقرير تمّ نشره من قبل الأمم المتّحدة الذي أكّد تعرّض النساء الفلسطينيّات إلى أشكال الاعتداءات الجنسيّة كافّة، والذي ذكر تعرُّض بعض الأسيرات الفلسطينيّات إلى التفتيش العاري من قبل جنود الاحتلال الذكور، وفد ذكر التقرير ان هناك ما لا يقل عن سيدتين فلسطينييتنين تعرضتا للاغتصاب.
شهادات الاسرى:
حدثني الأسير ( ج.ح ) من قرى مدينة رام الله ويبلغ من العمر 25 عام، وهو اعزب ومسجون بالسجن الإداري:
في يوم الأحد الموافق 29.10.23، نحو السّاعة 18:00، سكبنا بعض الماء على أرضيّة الزنزانة لكي ننظّفها، وطلبنا من أحد السجّانين عصا لجرد المياه. في تلك اللّحظة بالضبط اقتحم عناصر وحدة “كيتر” القسم. وصلوا إلى زنزانة بجانب زنزانتنا وأبرحوا الأسرى هناك ضرباً ثمّ نظر واحد منهم عبر كوّة باب زنزانتنا ورأى الأرضيّة مبتلّة بالمياه فقال لنا “سكبتم الماء لكي ننزلق”.
صرخ بنا ذلك العْنصر أن نتقدّم إليه واحداً تلو الآخر، فكبّلوا أيدينا إلى الخلف بأصفاد بلاستيكيّة ثمّ جرّونا بالقوّة إلى الممرّ. سمعت من داخل الزنزانة ضراخ وبكاء الأسرى الذين ساقوهُم قبلي وضربوهُم. بقيت الأخير في الزنزانة وكنت أرتجف من الخوف.
ثمّ أخذوني، اثنان من عناصر الوحدة جرّاني بالقوّة من الزنزانة إلى الممرّ، ومن هناك إلى غرفة كانت حتى 7 أكتوبر غرفة الطعام. في الطريق إلى هناك شتموا أمّي وأخواتي. لدى وصولنا إلى غرفة الطعام شاهدت فيها بقيّة الأسرى زملائي في الزنزانة. كانوا جميعاً غراة تماماً والدّماء تسيل منهُم. ألقوهم في كومة واحداً فوق الآخر. كانوا يبكون ويصرخون والسجَانون يصرخون عليهم ويشتمونهم وأمّهاتهم. لقد أجبرونا نحن أيضاً أن نشتم أمّهاتنا وحماس والسنوار. كما أجبرونا أن نقبّل علم إسرائيل وننشد النشيد الوطني الإسرائيليّ.
كنت أرتجف من الخوف. ثمّ انقضّوا عليّ. صفحني أولهُم وبصق عليّ ثانيهم وقال لي بالعربيّة:يحبى سنوار سيموت”. أمروني أن أكزر ما قاله. اثنان منهم جرّداني من ثيابي، كما بقيّة الأسرى، ثمّ ألقياني فوقهُم. جلب أحد العناصر جزرة وحاول أن يزجّها في مؤخّرتي فيما عناصر آخرون يصوّرونني بكاميرات هواتفهم. كنت أصرخ من الألم والرّعب. استمرّ ذلك نحو ثلاث دقائق.
عندما عُدنا إلى الزنزانة كنًا ما زلنا مصدومين، بكينا بصمت ولم ينبس أحد ببنت شفة، لم نكن قادرين على النظر في وجوه بعضنا البعض.. سألت نفسي “ما الذي جرى، لماذا يحدث هذا لنا؟
سأورد هنا شهادات مهمه وردت في تقرير لمنظمة بتسيلم B”TSELEM بعنوان ( اهلا بكم في جهنم) :
الشهاده الأولى: اقتادونا إلى غرفة يُعيّزت فيها الكثير من الملابس، الأحذية، الخواتم وساعات اليد. عزونا تماماً، حتى الشروال الداخلي، وفتشوا أجسادنا بواسطة جهاز يدويّ لكشف المعادن. أجبرونا أن نفتح أرجلنا ونقرفص. بعد ذلك راحوا يضربوننا بالجهاز على أعضائنا الحساسة، ضربات سريعة ودون توقّفه بعد ذلك أمرونا بأن نؤذي تحيّة لعلم إسرائيل الذي كان معلّقاً على الحائط.
عندما أمرني أحدهم أن أحيّي العلم رفضت. عندئذٍ ضربني اثنان من عناصر وحدة “كيتر” على كل أنحاء جسمي. ضمن ذلك ركل أحدهما بطني بركبته. سقطت أرضاً وتقيّأت وعندها ركل الثاني موضعاً حساساً في جسمي وقد عانيت من آلام فظيعة [٠٠.] عندما أوقفوا الضرب أخذت أرتدي ملابسي، لكن أحد السجانين كان يضربني كلّما ارتديت قطعة ثياب أخرى. وحين ارتديت المعطف سألني إن كانت الضريات التي تلقيتها كافية.
الشهادة الثانية: أمسكني أحد السجانين بعنف من رقبتي واقتادني إلى غرفة الانتظار الواقعة على بُعد 500 متر عن الزنزانة. في الطريق ضربوني على ظهري وشتموني وأهانوني، وشعرت بأنني قد أفقد الوعي. ألقوني في غرفة الانتظار التي كانت قذرة سوية مع معتقلين آخرين. فيما بعد أخذوني من هناك ليفتشوني عاريًا. جردوني من ملابسي بينما كانت عيناي لا تزالان معصوبتين، وضربوني في أثناء ذلك. قالوا لي: “أنت حماس”، وضربوني على مناطق مختلفة من جسمي عندما كنت عاريًا تمافا.
الشهادة الثالثه: أدخلونا إلى غرفة انتظار صغيرة جدًّا وفارغة. كان عددنا 13 أسيرًا، فجلسنا محشورين فيها ساعات طويلة. بعد ذلك صار السجّانون يأخذوننا كلَّا على جدة إلى مكتب نائب المدير. فتّشونا جميعًا الحافلة. في الطريق دفعني أحد السجّانين بقوّة فارتطمت بالأسير الذي كان أمامي. لم أستطع أن أقول له شيئًا لأنّهم منعونا من التحدّث مع بعضنا البعض. كان كلّ واحد من عناصر الوحدة يُمسك بأسير، وعْنصر آخر يُمسك بكلب ويُفلته ليهاجمنا.
كان للكلب رسن معدنيّ والسجّان يُرخي قشاطه كلّ مرّة ثمّ يعود ويشدّه. كان الأمر مخيفًا جدًا.كلّما حاولت الابتعاد عن الكلب ركل السجّان رجلّيّ بقوّة، وأمسك سجّان آخر بخصيتي ثمّ دفعني إلى الأمام بقوّة وهو يشتمني. غضبت جدًا وشعرت بمّهانة شديدة أمام بقيّة الأسرى.
واختم بشهادة الأسير المحرر ياسر مناع التي نشرها في موقع مؤسسة الدراسات الفلسطينية بعنوان “إذا لم تُسجن بعد 7 تشرين الأول/أكتوبر، فلا تظن نفسك أنك سُجنت قط”:
بداية الأمر، كنا نرفض فكرة نزع ملابسنا بالكامل، وكان هذا يؤدي في الغالب إلى تعرضنا للضرب المبرح. وكانت المعادلة التي نخضع لها في هذا المقام على النحو التالي: هل نتحمل الإهانة بنزع الملابس أم نتعرض للعنف والضرب الذي قد يؤدي إلى إصابتنا بعاهات دائمة؟ كنا نحاول اختيار أقل الضررين. لكن لم يكن هذا كافياً، فقد كانت السخرية من جانب السجان ترافق كل عملية تفتيش عارٍ، إذ كانوا يسخرون من أجسادنا وأعضائنا التناسلية، ومن هيئتنا البدنية بأكملها.
كنت أسأل دائماً: لماذا يتم تنفيذ التفتيش العاري، وخصوصاً أن إدارة السجن تعلم أننا لا نملك أي شيء في الغرفة؟ وكانت الإجابات متنوعة، إلاّ إن البعض يعلق بقوله: “سكروا الموضوع”، في حين كان الإجماع بصورة عامة على أن هذا التصرف يأتي من باب الإذلال.
أذكر خلال إحدى عمليات التفتيش أن ستة سجانين أحاطوا بي وأجبروني على خلع ملابسي، ثم قاموا بإلقاء كل قطعة في اتجاه مختلف، وكان هذا مصحوباً باللكم والضحك. في تلك اللحظة، لم أستطع التفكير في شيء، شعرت بأن العالم ضاق في نظري، وكنت أقول لنفسي: في النهاية نحن في أوج صراع.
مؤمن يشاركني تجربته فيقول لي إنهم حين نُقلوا من سجن عوفر إلى سجن النقب في منتصف الليل، حيث تم إجبارهم على نزع ملابسهم مرتين، وسط سخرية واستهزاء السجانين، شعر بأنه لا شيء وأنه بلا قيمة، وكان يشعر بالحرج من تبادل الحديث مع باقي السجناء، على الرغم من أنهم كانوا يمرون بالتجربة نفسها.
وفي هذا السياق، يتبادر هذا السؤال إلى أذهاننا: كيف تتعامل إدارة السجون مع النساء المعتقلات؟ هل تتعرضن للتفتيش العاري مثلما يحدث مع الرجال؟
بمجرد أن يُطرح الحديث عن التحرش الجنسي، يصبح من الضروري أن تكون هناك شجاعة كبيرة، وخصوصاً في مجتمع يوصف بأنه محافظ. وعندما شاركني أحد الأسرى تجربته، كان صوته هادئاً ومنخفضاً، ثم ختم حديثه بعبارة: “ما تحكي لحدا”.
التفتيش العاري يترافق أحياناً مع تحرش جنسي، الأمر الذي يخلق بيئة مليئة بالخوف والضعف، إذ يتعرض الأسرى لأنواع متعددة من التحرش، بما في ذلك اللمس الجسدي الجنسي، والاعتداءات اللفظية، والتهديدات بالعنف الجنسي. وتنجم عن هذه التجارب آثار نفسية وعاطفية مدمرة تؤثر في حالتهم النفسية، وتسبب لهم أضراراً نفسية عميقة يمكن أن تظل تلازمهم لفترة طويلة، حتى بعد الإفراج عنهم.
من الجدير ذكره أنه في ذروة التفتيش والضرب، وفي أجواء الخوف والصراخ والطرق على الأبواب، لا تستشعر ما تمر به، ولا تدرك الأحداث بمعناها الحقيقي، وكل ما يهمك هو انتهاء الحدث، لكن بعد ذلك، تبدأ بإدراك الأحداث بمعانيها الحقيقية، وتشعر بآثارها العميقة.
حدثني زاهر عن أغرب ما حدث معه منذ بداية الحرب قائلاً : “في وقت متأخر من الليل، دخلت وحدة اليماز (وحدة تفتيش تابعة لإدارة مصلحة السجون) إلى الغرفة وأمرونا بخلع كل ملابسنا والوقوف في جوار بعضنا. كنا عشرة أسرى تماماً، كما وُلدنا، كان السجان يمرر العصا على أعضائنا التناسلية، وبعد ذلك تعرضنا للضرب بلا رحمة. كانوا يستهزئون بأجسادنا ويضحكون علينا في هذه الحالة المذلة.”

