السكة – محطة المقالات – ثامر سباعنة
هناك أمهات يغيبن عن أبنائهن ساعات بسبب العمل، أو أيامًا بسبب السفر، لكن هناك أمهات يُنتزعْن من بين أطفالهن، ويُغلق خلفهن باب السجن، ثم تبدأ عائلاتهن رحلة طويلة من الانتظار لا تعرف متى تنتهي.
منى أحمد أبو حسين البرغوثي واحدة من هؤلاء الأمهات.
ابنة السادسة والأربعين من قرية عابود غرب رام الله، وأم لستة أبناء، تقبع اليوم في سجن الدامون، بعدما أعيد اعتقالها في الثامن من كانون الثاني/يناير 2026، وأخضعت للاعتقال الإداري دون محاكمة. ومؤخرًا جرى تجديد اعتقالها الإداري لمدة ثلاثة أشهر إضافية، لتواصل بذلك رحلة اعتقال مفتوحة لا يعرف أبناؤها متى تنتهي.
لكن قصة منى لا تبدأ في كانون الثاني 2026.
الاعتقال الذي لم ينتهِ بالإفراج
سبق لمنى أن أمضت عامًا كاملًا في الاعتقال الإداري، جرى خلاله تجديد أمر اعتقالها أربع مرات، مدة كل منها ثلاثة أشهر. أربعة تجديدات تعني أربعة أبواب أمل أُغلقت في وجه العائلة، وأربع مرات كان عليها أن تنتظر موعدًا جديدًا للإفراج، ثم تكتشف أن الموعد قد تأجل مرة أخرى.
وخلال ذلك الاعتقال، مرّت على عائلتها أعياد ورمضان وهي غائبة.
ثم جاءت لحظة الإفراج، فعادت منى إلى بيتها، إلى أبنائها، إلى حياتها التي توقفت قسرًا.
عادت إلى عملها مديرةً في روضة أطفال، وحاولت أن تستأنف دراسة الماجستير التي توقفت بسبب الاعتقال، وكأنها كانت تحاول أن تقول للحياة: لقد عدت، وسأبدأ من جديد.
لكن الجرح لم يكن قد أُغلق.
فبعد فترة قصيرة، عادت قوات الاحتلال إلى منزلها، وعادت منى إلى الأسر.
أمٌّ تُنتزع من أطفالها مرة أخرى
في الثامن من كانون الثاني/يناير 2026، اقتُحِم منزل العائلة في عابود، واعتُقلت منى، كما اعتُقل معها ابنها همام قبل أن يُفرج عنه لاحقًا، بينما أبقيت والدته خلف القضبان.
ومنذ ذلك اليوم، تغيرت تفاصيل الحياة داخل ذلك البيت.
الأم التي كانت حاضرة في الصباح، تختفي من المشهد.
المقعد الذي كانت تجلس عليه يصبح فارغًا.
صوتها لا يعود يُسمع في البيت.
وتتحول الأسئلة اليومية البسيطة إلى أسئلة موجعة:
متى ستعود أمي؟
هل ستعود غدًا؟
هل انتهى اعتقالها؟
هل ستفرج عنها المحكمة؟
لكن أصعب ما في الاعتقال الإداري أنه لا يمنح العائلة موعدًا حقيقيًا للنهاية؛ فكلما اقتربت لحظة الإفراج، يمكن أن يأتي قرار جديد يمدد الغياب.
أدهم… طفل يتعلم معنى الانتظار مبكرًا
ربما تكون أكثر الصور وجعًا في حكاية منى صورة طفلها الأصغر أدهم.
أدهم لم يتجاوز السادسة من عمره، ومع ذلك عاش تجربة اعتقال والدته مرتين.
في عمر كان يفترض أن يتعلم فيه أسماء الألعاب، وألوان الأشياء، وحكايات الطفولة، وجد نفسه يتعلم شيئًا آخر: الانتظار.
ينتظر أمه.
ينتظر عودتها.
ينتظر أن يُفتح باب البيت وتدخل منه كما كانت.
لكن كيف يمكن لطفل في السادسة أن يفهم معنى الاعتقال الإداري؟
كيف يمكن أن تشرح لطفل أن أمه ليست في رحلة، وليست في عمل، وليست بعيدة بإرادتها، وإنما خلف أبواب مغلقة، وأن موعد عودتها يمكن أن يتغير مرة بعد مرة؟
لقد أصبح غياب منى جزءًا من طفولة أدهم، وهذه وحدها مأساة لا تحتاج إلى كثير من الكلمات. (أسرار ميديا)
ومنى لا تعاني وحدها
في كثير من الأحيان، عندما نتحدث عن الأسير أو الأسيرة، نختصر الحكاية في الشخص الموجود خلف القضبان.
لكن الاعتقال لا يسجن شخصًا واحدًا فقط.
السجن يمتد إلى البيت.
يمتد إلى الزوج والأبناء.
إلى الأم والأب.
إلى الإخوة والأخوات.
إلى كل من ينتظر زيارة، أو خبرًا، أو مكالمة، أو ورقة تحمل موعد الإفراج.
ومع منى، هناك ستة أبناء يعيشون غياب أمهم.
هناك ابنة تستعد لامتحانات الثانوية العامة وهي تفتقد حضور والدتها في واحدة من أهم مراحل حياتها.
وهناك أطفال آخرون يتعاملون مع غياب الأم كواقع يومي مفروض عليهم.
وهناك أدهم، أصغر أفراد الأسرة، الذي لا يريد أكثر من أمه.
الألم لم يتوقف عند جدران السجن
معاناة منى ليست نفسية وعائلية فقط.
فبحسب المعلومات المنشورة، تعرضت خلال إحدى عمليات القمع داخل سجن الدامون لاعتداء أدى إلى إصابات في ظهرها وقدميها، حتى أصبحت بحاجة أحيانًا إلى مساعدة الأسيرات في قضاء احتياجاتها اليومية.
كما تعاني من الصداع النصفي، وكيس على الكلى، وانزلاق غضروفي، وأُفيد بأنها فقدت قدرًا كبيرًا من وزنها منذ اعتقالها.
وهنا يصبح السؤال أكبر من مجرد: متى ستخرج منى؟
السؤال هو:
كيف تعيش أمٌّ مريضة خلف القضبان، وهي تعرف أن أطفالها ينتظرونها في الخارج؟
وكيف تستطيع الأم أن تتحمل ألم جسدها، بينما ألم آخر يسكن قلبها؛ ألم معرفة أن أبناءها يحتاجون إليها ولا تستطيع أن تكون إلى جانبهم؟
حتى الصلاة تصبح معركة
ومن التفاصيل التي تكشف قسوة الحياة داخل السجن أن منى طالبت بالحصول على تنورة للصلاة، إلا أن طلبها بقي دون استجابة وفق ما نشره مكتب إعلام الأسرى.
تفصيل قد يبدو صغيرًا لمن يعيش خارج السجن، لكنه بالنسبة لأسيرة تتمسك بصلاتها، يصبح جزءًا من معركة الحفاظ على أبسط حقوقها الإنسانية والدينية.
فالأسير لا يحتاج فقط إلى الطعام والدواء.
يحتاج إلى كرامته.
إلى حقه في العبادة.
إلى أن يُعامل بوصفه إنسانًا له حقوق لا يجوز انتزاعها.
منى ليست رقمًا
قد تمر أسماء الأسرى في الأخبار سريعًا.
اسم هنا، وتمديد هناك، وأمر اعتقال جديد.
لكن خلف كل اسم بيت.
وخلف كل أسيرة أمومة.
وخلف كل طفل ينتظر أمه سنوات من الذكريات المؤجلة.
منى البرغوثي ليست رقمًا في قائمة المعتقلين الإداريين.
هي أم لستة أبناء.
هي امرأة حاولت أن تعود إلى حياتها بعد اعتقال سابق، فعادت إلى عملها، وإلى دراستها، وإلى أطفالها، قبل أن يُعاد اقتلاعها من جديد.
هي أم تستيقظ اليوم في سجن الدامون، بينما يستيقظ أبناؤها في بيت عابود على سؤال واحد:
متى تعود أمي؟
الاعتقال الإداري… وجع بلا موعد
أصعب ما يمكن أن يعيشه الإنسان هو أن يُحرم من معرفة نهاية ألمه.
السجين الذي يعرف موعد خروجه يستطيع أن يعد الأيام.
أما المعتقل الإداري، فغالبًا ما يعيش على موعد مؤجل، واحتمال تمديد جديد، وقرار قد يأتي في اللحظة التي تبدأ فيها العائلة الاستعداد لاستقباله.
وهكذا تتحول حياة الأسرة إلى تقويم معلّق.
لا احتفال كامل.
لا عيد كامل.
لا مناسبة عائلية مكتملة.
دائمًا هناك كرسي فارغ.
وصورة معلقة على الجدار.
وصوت غائب.
وأطفال ينتظرون.
ستة أبناء… وأم واحدة
ربما لا تحتاج قصة منى البرغوثي إلى كثير من العبارات المؤثرة.
يكفي أن نتخيل بيتًا فيه ستة أبناء، وأن نسأل:
من يجيب عن أسئلتهم؟
من يسمع تفاصيل يومهم؟
من يحتضنهم عندما يخافون؟
من يفرح معهم عندما ينجحون؟
من يجلس إلى جانب ابنتها وهي تستعد لامتحانات الثانوية العامة؟
ومن يشرح لأدهم لماذا لا تعود أمه إلى البيت؟
هذا هو الوجه الآخر للاعتقال.
وجه لا يظهر خلف القضبان، لكنه يعيش خارجها كل يوم.
إنه وجه العائلة.
الحرية التي تنتظرها منى
منى البرغوثي لا تنتظر فقط بابًا يُفتح.
أطفالها ينتظرونها.
بيتها ينتظر صوتها.
عملها ينتظر عودتها.
حياتها التي حاولت أن تستعيدها بعد الاعتقال السابق تنتظر أن تبدأ من جديد.
وأدهم ينتظر حضن أمه.
لذلك فإن قضية منى ليست قضية امرأة واحدة، بل قضية عائلة كاملة دُفعت إلى الانتظار.
ويبقى الأمل حاضرًا رغم كل شيء؛ لأن خلف كل باب سجن أمًّا تتمنى أن تعود، وخلف كل أم أطفالًا لا يريدون من الدنيا أكثر من عودتها.
منى البرغوثي… ستة أبناء ينتظرونكِ، وبيتٌ في عابود ما زال يحتفظ بمكانكِ، وطفل صغير لا يزال يؤمن أن أمه ستعود يومًا من خلف الباب.
الحرية لمنى البرغوثي، والحرية لكل أسيرة وأسير، والطمأنينة لكل طفل ينتظر عودة أمه أو أبيه.

