الثلاثاء, أغسطس 18, 2026

الأكثر

الرئيسيةمحطة المقالاتمحمد جمال النتشة.. معركة أخرى خلف القضبان: حين يتحول المرض إلى أداة...

محمد جمال النتشة.. معركة أخرى خلف القضبان: حين يتحول المرض إلى أداة للعقاب

السكة – محطة المقالات – ثامر سباعنة

في سجون الاحتلال، لا تنتهي معاناة الأسير عند حدود القضبان والأسلاك الشائكة، بل قد تبدأ معركة أخرى أشد قسوة عندما يصبح المرض نفسه جزءًا من يوميات الاعتقال. وهذا ما يواجهه الشيخ والنائب الفلسطيني محمد جمال النتشة، الذي يجد نفسه في مواجهة وضع صحي بالغ الصعوبة، وسط ما تصفه مؤسسات الأسرى بالمماطلة في العلاج، والتنكيل، وحرمانه من احتياجات أساسية.

النتشة، المولود في مدينة الخليل عام 1958، أمضى ما مجموعه نحو 23 عامًا في سجون الاحتلال خلال اعتقالاته المتكررة، وكانت سنوات طويلة منها في الاعتقال الإداري. كما انتُخب عضوًا في المجلس التشريعي الفلسطيني عام 2006 وهو داخل السجن. وتوثق مؤسسة الضمير أن الاحتلال عزله لسنوات متواصلة بين 2004 و2008، وحرم خلال فترات اعتقاله من كثير من حقوقه الأساسية. 

لكن المرحلة الحالية تبدو الأكثر قسوة، ليس فقط بسبب سنوات الأسر الطويلة، وإنما بسبب التدهور الصحي الذي يرافقها.

من التحقيق إلى المستشفى

في آذار/مارس 2025، أعيد اعتقال النتشة، وتفيد مؤسسات الأسرى بأنه تعرض خلال التحقيق لاعتداء قاسٍ أدى إلى تدهور خطير في حالته الصحية، قبل أن يُنقل إلى المستشفى. وذكرت تقارير أن حالته وصلت إلى مرحلة حرجة، وأنه تعرض لنزيف في الدماغ وفشل كلوي ودخل في غيبوبة، فيما بقيت عائلته لفترة عاجزة عن معرفة حقيقة وضعه الصحي. 

ونقل نادي الأسير أن المعلومات التي وصلت إلى عائلته أشارت إلى تدهور وضعه الصحي بعد التحقيق، وأن استمرار منعه من الزيارة ساهم في إبقاء حقيقة حالته بعيدة عن عائلته والرأي العام. كما حمّل النادي سلطات الاحتلال المسؤولية عن حياته وسلامته. 

وفي أيار/مايو 2025، كشف محامي النتشة عن صورة أكثر قسوة؛ فقد كان الأسير في مستشفى الرملة، غير قادر على مغادرة سريره ومربوطًا بالأجهزة الطبية، بينما أُبلغ المحامي بأنه لا يستطيع الحديث أو الاستجابة، وأن علاجه وتغذيته يتمان عبر الأنابيب. كما رفضت إدارة المستشفى تسليم المحامي ملفه الطبي، واقترحت بدلًا من ذلك إجراء زيارة عبر تقنية الفيديو. 

هذه التفاصيل وحدها كافية لطرح سؤال خطير: كيف يمكن لأسير في هذا العمر، يعاني من وضع صحي بالغ الخطورة، أن يحصل على العلاج الذي يحتاجه في الوقت المناسب؟

جهاز في الرأس.. وعملية بلا موعد

المأساة لم تتوقف عند مرحلة الغيبوبة والمستشفى.

فبحسب المعلومات المتداولة حديثًا حول وضع النتشة، أُبلغ الأسير ثلاث مرات بأنه بحاجة إلى إجراء عملية لإزالة جهاز موجود في رأسه، لكنه في كل مرة بقي أمام المجهول؛ لا موعد محدد للعملية ولا وضوح بشأن متى سيبدأ العلاج الفعلي.

وهنا تتحول كلمة “انتظار” من مجرد مصطلح طبي إلى مصدر خطر حقيقي على حياة إنسان مريض.

فالعملية التي يحتاجها الأسير ليست رفاهية أو طلبًا يمكن تأجيله بلا نهاية، خصوصًا في ظل تاريخه الصحي وما تعرض له من تدهور وإصابات. وعندما يعرف الأسير أنه يحتاج إلى تدخل طبي، ثم يُترك دون موعد واضح، فإن القلق يصبح جزءًا من العلاج نفسه، ويصبح كل يوم يمر دون تدخل طبي عبئًا إضافيًا على جسده ونفسيته.

الإهمال الطبي لا يأتي منفردًا

ما يثير القلق أكثر أن معاناة النتشة الصحية تأتي ضمن منظومة أوسع من ظروف الاعتقال القاسية.

فالتقارير التي تناولت وضعه أشارت إلى نقص في الاحتياجات الأساسية، وإلى صعوبة الحصول على الرعاية المناسبة، بينما أكدت تقارير أخرى أن الأسرى يواجهون ظروفًا معيشية قاسية ونقصًا في عدد من الاحتياجات الأساسية داخل السجون. 

وهذا يعني أن الأسير المريض لا يخوض معركة مع المرض وحده؛ بل يخوض في الوقت نفسه معركة مع ظروف السجن، ومع القيود المفروضة على العلاج، ومع صعوبة الوصول إلى الطبيب والمحامي والعائلة، ومع القلق الدائم من أن تتدهور حالته دون أن يعرف أحد.

حين يصبح النقل إلى الزيارة إذلالًا

ولعل أكثر الصور إيلامًا في قصة النتشة ما حدث خلال نقله للزيارة.

فبحسب المعلومات المنشورة حديثًا، تعرض الشيخ، وهو في سن متقدمة ووضع صحي صعب، للمعاملة المهينة أثناء نقله؛ إذ قُيدت يداه إلى الخلف وأُجبر على السير منحني الظهر، فيما صرخت عليه إحدى السجانات وأجبرته على مواصلة المشي.

المشهد هنا يتجاوز مسألة القيد بحد ذاته

إنسان مسن، يعاني من مشاكل صحية خطيرة، وسبق أن مرّ بمرحلة غيبوبة وتعرض لإصابات وتدهور صحي، كان يفترض أن يكون التعامل معه قائمًا على مراعاة حالته الصحية وكرامته الإنسانية.

لكن ما حدث، وفق ما نشرته مصادر الأسرى، يقدم صورة معاكسة تمامًا.

فحتى الزيارة، التي يفترض أن تكون نافذة صغيرة يدخل منها شيء من الحياة إلى عالم السجن، تحولت إلى رحلة جديدة من الألم والإهانة.

23 عامًا من الأسر.. وعائلة تنتظر

لا يمكن قراءة معاناة محمد جمال النتشة باعتبارها حادثة صحية منفصلة عن تاريخ طويل من الأسر.

تقول مؤسسة الضمير إن عائلته عاشت سنوات طويلة تحت وطأة الاعتقال والملاحقة، حتى إن أبناءه تزوجوا دون حضور والدهم، ورُزق بأحفاد لم يتمكن من مشاركتهم تفاصيل الحياة الطبيعية. وتذكر المؤسسة أن الأسرة لم تجتمع بكاملها في مناسبة عائلية طبيعية إلا بعد سنوات طويلة من الاعتقالات المتكررة. 

وهكذا يصبح المرض داخل السجن أكثر من ألم جسدي.

إنه خوف بالنسبة للعائلة.

وانتظار.

وعجز عن الوصول إلى المريض.

وخشية من وصول خبر متأخر لا يمكن بعده فعل شيء.

قضية النتشة ليست قضية شخص واحد

قصة محمد جمال النتشة تضع أمام العالم قضية أوسع: ماذا يعني أن يكون الإنسان مريضًا وهو خلف القضبان؟

فالحق في العلاج لا يسقط بالاعتقال، والمرض لا يصبح عقوبة إضافية، والتقدم في السن لا ينبغي أن يكون سببًا لمزيد من الإذلال.

وإذا كانت السلطات القائمة على السجن مسؤولة عن حياة الأسير، فإن مسؤوليتها تصبح أكبر عندما يكون الأسير مريضًا ويحتاج إلى تدخل طبي عاجل.

إن ترك أسير مريض في حالة انتظار مفتوح، وإبلاغه بحاجته إلى عملية دون تحديد موعد، وحرمانه من معلومات واضحة حول وضعه الصحي، ثم معاملته بقسوة أثناء نقله للزيارة، كلها ممارسات تستحق المتابعة والتحقيق والمساءلة، لا الصمت والتجاهل.

لقد أمضى محمد جمال النتشة سنوات طويلة خلف القضبان، وعبر مراحل متعددة من الاعتقال والعزل والتحقيق والاعتقال الإداري. واليوم يخوض معركة مختلفة؛ معركة مع جسده المرهق، ومع المرض، ومع الوقت.

وفي مثل هذه المعركة، لا يكون التأخير مجرد تأخير… فقد يكون فارقًا بين العلاج وتفاقم المرض، وبين الحياة والموت.

إن قضية الشيخ محمد جمال النتشة تحتاج إلى تحرك عاجل من المؤسسات الحقوقية والإنسانية، والضغط من أجل تمكينه من العلاج اللازم، وإجراء العملية التي يحتاجها دون مماطلة، وضمان حقه في الرعاية الطبية والكرامة الإنسانية، والسماح لمحاميه وعائلته بمعرفة حقيقة وضعه الصحي.

فالأسير قد يُحرم من حريته، لكن لا يجوز أن يُحرم من حقه في الحياة والعلاج والكرامة

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا