السكة – محطة المقالات – ثامر سباعنة
ليست الزنازين وحدها ما يحاصر الأسيرات الفلسطينيات في سجون الاحتلال الإسرائيلي، بل سلسلة طويلة من المعاناة تبدأ منذ لحظة الاعتقال، وتمتد إلى التحقيق والعزل والحرمان من أبسط مقومات الحياة الإنسانية. وبينما تبقى كثير من التفاصيل حبيسة الجدران والأسلاك الشائكة، تخرج شهادات الأسيرات المحررات لتكشف جانبًا من واقع تصفه المؤسسات الحقوقية بأنه من أشد الانتهاكات قسوة بحق النساء المعتقلات.
وفي أحدث هذه الشهادات، كشف المركز الفلسطيني للدفاع عن الأسرى عن رواية صادمة لأسيرة فلسطينية محررة من الضفة الغربية، وثقت فيها، بحسب إفادتها، رحلة من الانتهاكات التي بدأت باقتحام منزلها وتخريب محتوياته، قبل أن تتعرض للإهانات والتهديدات ذات الطابع الجنسي أثناء نقلها إلى مراكز التحقيق.
وتقول الأسيرة في شهادتها إنها تعرضت للتفتيش العاري والتحرش الجنسي، ثم جرى تقييدها إلى سرير حديدي لأكثر من عشر ساعات متواصلة، بينما نُزع حجابها وديس أمام ناظريها وهي عاجزة عن الحركة، في مشهد لم يكن يستهدف جسدها فحسب، بل كرامتها وهويتها الإنسانية والدينية.
ولم تتوقف الانتهاكات عند غرف التحقيق، بل امتدت إلى العزل الانفرادي داخل زنزانة ضيقة تفتقر إلى الهواء والضوء الطبيعي، حتى فقدت القدرة على التمييز بين الليل والنهار، وهو ما يعكس، وفق مختصين في الصحة النفسية، الآثار الخطيرة للعزل المطول على الإنسان.
أما داخل سجن الدامون، فتصف الأسيرة واقعًا أكثر قسوة. فبحسب شهادتها، تتكرر عمليات الاقتحام باستخدام القنابل والكلاب البوليسية، وتتخللها أعمال سحل وتقييد وضرب ودوس بحق الأسيرات، فيما تبقى الحوامل والمريضات والمصابات محرومات من العلاج والرعاية الطبية الكافية، رغم خطورة أوضاعهن الصحية.
وتكشف الشهادة أن الجوع أصبح جزءًا من الحياة اليومية للأسيرات، إذ يُقدَّم لهن طعام قليل ورديء، لا يراعي الاحتياجات الغذائية الأساسية، ولا ينسجم مع متطلبات الحوامل أو المريضات. وتصف الأسيرة مشهدًا بالغ القسوة حين تقول إن أصوات أمعاء الأسيرات أصبحت تُسمع داخل الغرف من شدة الجوع، في صورة تختزل حجم المعاناة التي يعشنها.
ولا يقف الأمر عند نقص الغذاء، بل يمتد إلى انتشار الأمراض الجلدية والتقرحات، في ظل غياب الرعاية الطبية، والحرمان من أدوات النظافة الشخصية والمياه الصالحة للشرب، وانعدام الحد الأدنى من الخصوصية، وهي ظروف تترك آثارًا صحية ونفسية متراكمة على الأسيرات.
وتختتم الأسيرة شهادتها بعبارة تختصر واقعًا يصعب وصفه، قائلة: “تركت خلفي أسيرات يعشن الجوع والخوف والمرض والقمع، وما يجري داخل سجن الدامون لا يمكن وصفه بالكلمات.”
إن هذه الشهادة، وما سبقها من إفادات مماثلة، تفرض مسؤولية أخلاقية وقانونية على المجتمع الدولي، وتستدعي تحركًا أكثر فاعلية من المؤسسات الحقوقية والإنسانية، من أجل المطالبة بإجراء تحقيقات مستقلة في هذه الادعاءات، وضمان احترام المعايير الدولية الخاصة بمعاملة المحتجزات، وتأمين الحماية والرعاية الصحية والإنسانية للأسيرات الفلسطينيات.
فالأسيرة الفلسطينية ليست مجرد رقم في قوائم الاعتقال، بل أم وابنة وطالبة ومعلمة وطبيبة، حُرمت من حريتها، لكنها لا ينبغي أن تُحرم من حقوقها التي كفلتها المواثيق الدولية. وستبقى شهادات الأسيرات وثائق إنسانية مؤلمة، تذكر العالم بأن خلف أبواب السجون نساءً يخضن معركة يومية من أجل الكرامة، وينتظرن عدالة لا تزال غائبة .

