الجمعة, أغسطس 7, 2026

الأكثر

الرئيسيةمحطة المقالاتمعزولو سجون الاحتلال… حين يتحول السجن إلى مقبرة للأحياء

معزولو سجون الاحتلال… حين يتحول السجن إلى مقبرة للأحياء

السكة – محطة المقالات – ثامر سباعنة

ليست كل السجون سواء، فهناك أماكن داخل سجون الاحتلال الإسرائيلي لا يمكن وصفها إلا بأنها “مقابر للأحياء”. إنها زنازين العزل الانفرادي، حيث يُحاصر الإنسان بجدران صامتة، ويُحرم من أبسط حقوقه، ويُترك ليواجه التعذيب الجسدي والنفسي وحيدًا، في محاولة لكسر إرادته وإطفاء نور الأمل في قلبه.

ومن زيارة للأسير المعزول بلال مروان البرغوثي، تتجسد هذه المأساة بكل تفاصيلها المؤلمة. خرج بلال منهك الجسد، نحيلاً، وقد حفرت سنوات العزل آثارها على وجهه وجسده، بينما ما تزال روحه شامخة لا تعرف الانكسار.

ما يجري في عزل “جانوت” يتجاوز حدود العقوبات التي تعرفها القوانين، فهو عالم من التعذيب المستمر. الضرب لا يتوقف، والإذلال أصبح جزءًا من تفاصيل الحياة اليومية، أما الطعام فلا يكاد يسد الرمق، بل يروي الزائرون أن السجّان يسكبه عمدًا على الأرض، ثم يأمر الأسرى بتناوله عن التراب، في مشهد يجسد أقصى درجات الإهانة وانتهاك الكرامة الإنسانية.

وفي تلك الزنازين لا توجد “فورة” تخفف وطأة العزلة، ولا لقاءات بين الأسرى، ولا حديث يبدد الصمت الثقيل. الصوت الوحيد الذي يتردد بين الجدران هو صرخات الأسرى أثناء التعذيب، بينما يقف العالم صامتًا أمام هذه الجرائم.

هناك يقبع عدد من رموز الحركة الأسيرة، ومنهم الأسير حسن سلامة، والأسير بلال مروان البرغوثي، والأسير عباس السيد، والأسير جمال الهور، والأسير مهند شريم، إلى جانب أسرى آخرين يواجهون ظروفًا لا تحتملها النفوس. إنهم جبال من الصبر والإيمان، يحاول الاحتلال عزلهم عن العالم، لكنه يعجز عن عزلهم عن مبادئهم وإيمانهم.

ورغم كل هذا الألم، حمل بلال رسالة قلبت موازين المشهد. فالزائر جاء ليشد من أزره ويواسيه، لكنه وجد نفسه أمام أسير يواسي زواره ويزرع الطمأنينة في قلوبهم. كانت وصيته بسيطة لكنها عظيمة:

“ديروا بالكم على دينكم.. والله إننا بمعية الله رغم كل هذا الوجع، فلا تقلقوا علينا.”

هذه الكلمات تختصر مدرسة كاملة في الصبر والثبات. فالجسد قد يُرهق، لكن العقيدة لا تُقهر، والقيود قد تُحكم، لكن الروح المؤمنة تبقى أوسع من كل الزنازين.

إن معاناة الأسرى المعزولين ليست قضية أفراد، بل قضية إنسانية تستدعي تحركًا جادًا من المؤسسات الدولية والحقوقية، ومن أحرار العالم، للضغط من أجل إنهاء سياسة العزل الانفرادي التي تُعد، وفق العديد من الهيئات الحقوقية، شكلاً من أشكال المعاملة القاسية واللاإنسانية، وقد ترقى في بعض الظروف إلى التعذيب.

ويبقى السؤال المؤلم: كم من الوقت سيظل هؤلاء الأسرى يقاومون وحدهم في تلك الزنازين المعتمة بينما يكتفي العالم بالمشاهدة؟

ختامًا، لا نملك إلا أن نرفع الدعاء إلى الله عز وجل أن يفرج كربهم، وأن يثبتهم، وأن يجعل صبرهم نورًا وحريةً قريبة.

اللهم أطعمهم من جوع، وآمنهم من خوف، واشف مرضاهم، وفك قيدهم، واكسر سلاسلهم، واجعل لهم من كل ضيق مخرجًا، ومن كل هم فرجًا، إنك على كل شيء قدير.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا