السكة – محطة المقالات – ثامر سباعنة
لم تكن زيارة الوزير الإسرائيلي المتطرف إيتمار بن غفير إلى قسم الأسيرات مجرد زيارة لمسؤول إلى سجن، ولا مجرد واقعة عابرة يمكن فصلها عن الواقع الذي تعيشه الأسيرات الفلسطينيات داخل المعتقلات ، فالمشهد الذي جرى توثيقه ونشره على أنه استعراض للقوة، سرعان ما كشف عن وجه أكثر قسوة، حين تحولت الأسيرات أنفسهن إلى جزء من مشهد سياسي وإعلامي قائم على التهديد والإذلال.
دخل بن غفير إلى قسم الأسيرات برفقة عدد من أفراد عائلته، واقتحم غرفتين، وقام بتصوير المشهد بنفسه، قبل أن ينشر مقطعاً مصوراً ظهر فيه وهو يوجه تهديدات للأسيرات.
المشهد، في حد ذاته، يطرح سؤالاً خطيراً : كيف يمكن لمسؤول سياسي أن يدخل إلى قسم مخصص للأسيرات، برفقة أفراد من عائلته، ويوثق ما يحدث بداخله، ثم يحول ذلك إلى مادة للنشر والاستعراض؟
إن القضية هنا لا تتعلق فقط بالاقتحام، وإنما بما يحمله من دلالات تتصل بطريقة التعامل مع السجون والأسيرات. فحين تدخل السلطة السياسية إلى أكثر الأماكن خصوصية بالنسبة للمعتقلات، وحين يصبح الإذلال أمام الكاميرا وسيلة لإظهار القوة، فإن السجن يفقد حتى الحد الأدنى من مفهوم الخصوصية والكرامة الإنسانية.
والأكثر خطورة أن هذه الواقعة لم تحدث في فراغ ، فالأسيرات الفلسطينيات كنّ، قبل هذه الزيارة وبعدها، يواجهن اقتحامات متكررة وإجراءات قمعية وعقوبات وعزلاً وظروف احتجاز قاسية ، ولذلك فإن زيارة بن غفير جاءت ضمن سياق أوسع من الضغط النفسي والجسدي الذي يهدف إلى إبقاء الأسيرات في حالة دائمة من الخوف وعدم الاستقرار.
ثلاثة أيام بلا أبسط الحقوق
بحسب إفادات الأسيرات التي نقلها نادي الأسير الفلسطيني، لم تنتهِ القصة بانتهاء الزيارة أو مغادرة بن غفير للقسم، بل تبعتها مرحلة من التصعيد والقمع.
فقد عاشت الأسيرات ثلاثة أيام حُرمن خلالها من مقتنياتهن الشخصية، ولم يُسمح لهن بالاستحمام أو بالخروج إلى ساحة الفورة، في ظروف تضيف إلى المعاناة الجسدية والنفسية التي يعشنها أصلاً.
وهنا تظهر الصورة الحقيقية التي تختبئ خلف المشهد الاستعراضي : أسيرات لا يواجهن فقط الاعتقال والحرمان من الحرية، بل يواجهن أيضاً إجراءات تمس تفاصيل حياتهن اليومية واحتياجاتهن الأساسية، وتجعلهن في حالة مستمرة من التوتر والترقب.
وتصف إحدى الأسيرات واقع عمليات القمع بالقول إنهن يتعرضن للتقييد إلى الخلف وتعصيب الأعين، ثم يُخرجن بعنف وهن منحنيات الرؤوس، ويُجبرن على الاستلقاء على الأرض، وسط الصراخ والشتائم والألفاظ البذيئة.
إنها صورة ثقيلة لإنسان يُنتزع منه الإحساس بالأمان حتى داخل الغرفة التي يفترض أن تكون مكاناً يحميه من الخطر.
فالأسيرات، وفق الإفادات، يعشن في حالة من القلق المستمر، ينتظرن في كل لحظة احتمال اقتحام مفاجئ لغرفهن. ومع كل عملية قمع تتكرر أساليب التنكيل، إلى جانب العزل المتكرر والاحتجاز في ظروف توصف بالقاسية والمهينة.
الكاميرا جزء من القمع
لكن ثمة جانباً آخر لا يقل خطورة، وهو التصوير أثناء عمليات القمع.
فالتصوير هنا لا يبدو مجرد توثيق محايد لما يحدث، بل يتحول، بحسب الإفادات، إلى جزء من عملية الإذلال نفسها. فالأسيرة التي تكون مقيدة ومعصوبة العينين ومجبرة على الانبطاح على الأرض، تجد نفسها أمام كاميرا تسجل لحظة ضعفها وإهانتها.
وبذلك يصبح العنف مزدوجاً: عنف جسدي ونفسي يحدث داخل السجن، ثم عنف رمزي إضافي يتمثل في تحويل تلك اللحظة إلى صورة أو مقطع يمكن استخدامه خارج السجن.
وهذا يطرح قضية أعمق تتعلق بكرامة الإنسان وحقه في الخصوصية، حتى في ظروف الاعتقال. فالأسيرة ليست مادة للاستعراض، وليست رقماً في مشهد سياسي، وليست وسيلة لإيصال رسائل التحريض والتطرف.
عندما يصبح الألم دعاية
إن أخطر ما تكشفه هذه الحادثة هو محاولة نقل السجن من كونه مكاناً للاحتجاز إلى كونه مسرحاً للاستعراض السياسي.
حين يدخل مسؤول سياسي إلى قسم الأسيرات، ويصور المشهد وينشره، ثم تتبع ذلك إجراءات قمعية وحرمان من أبسط الاحتياجات، فإننا أمام صورة تعكس تداخلاً مقلقاً بين القرار السياسي وأدوات القمع داخل السجون.
فالأسيرات، في نهاية المطاف، هن بشر قبل أن يكنّ أسيرات. لهن كرامتهن وخصوصيتهن وحقوقهن الإنسانية، ولا ينبغي أن تتحول معاناتهن إلى مادة للدعاية السياسية أو إلى وسيلة لإظهار القوة أمام الجمهور.
وربما تكمن المفارقة الكبرى في أن الصورة التي أراد أصحابها أن تكون صورة قوة، تكشف في حقيقتها عن حجم الخوف الذي يُراد فرضه على الأسيرات، وعن نظام من الإجراءات التي تجعل الإنسان يعيش في انتظار العقوبة والاقتحام والعزل والإهانة.
إن ما حدث بعد زيارة بن غفير لا يمكن قراءته بمعزل عن الصورة الأوسع لمعاناة الأسيرات الفلسطينيات. فثلاثة أيام من الحرمان، والخوف من الاقتحام، والتقييد وتعصيب الأعين، والعزل، والإهانات، والتصوير أثناء القمع، كلها تفاصيل صغيرة في ظاهرها، لكنها حين تجتمع ترسم مشهداً إنسانياً بالغ القسوة.
وفي النهاية، يبقى السؤال الأهم: هل يمكن أن يصبح إذلال الإنسان وسيلة للانتصار السياسي؟
ربما يستطيع الاستعراض أن يصنع مشهداً أمام الكاميرا، لكنه لا يستطيع أن يلغي حقيقة أن خلف تلك الكاميرا إنساناً له كرامة وحقوق، وأن السجن مهما اشتدت قسوته لا يمنح أحداً الحق في تحويل الألم والإهانة إلى مادة للدعاية.

