السبت, أغسطس 8, 2026

الأكثر

الرئيسيةمحطة المقالاتالاستهداف الديني للأسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال… حرب على العقيدة قبل الجسد

الاستهداف الديني للأسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال… حرب على العقيدة قبل الجسد

السكة – محطة المقالات -ثامر سباعنة

لم يعد استهداف الأسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال الإسرائيلي يقتصر على الحرمان من الحرية أو التعذيب الجسدي والنفسي، بل امتد ليطال أحد أكثر الجوانب حساسية في حياة الإنسان؛ وهو حقه في ممارسة شعائره الدينية وصون معتقداته. فمع تصاعد الإجراءات العقابية، ولا سيما بعد السابع من أكتوبر، برزت سياسة ممنهجة تستهدف الهوية الدينية للأسرى، في محاولة لكسر إرادتهم، وطمس انتمائهم، وإضعاف صمودهم الروحي.

إن هذه الممارسات لا تمثل مجرد انتهاكات إدارية داخل السجون، وإنما تشكل اعتداءً مباشراً على حرية الدين والمعتقد، وهي حقوق كفلتها الشرائع السماوية والقوانين الدولية على حد سواء.

مصادرة المصاحف… حرمان من النور

من أكثر الممارسات التي وثقتها شهادات الأسرى والمحامين قيام إدارات السجون بمصادرة المصاحف من الأقسام والزنازين، وحرمان الأسرى من تلاوة القرآن الكريم، الذي يمثل بالنسبة لهم مصدر الطمأنينة والصبر والثبات.

وقد تجاوز الأمر حدود المصادرة إلى إتلاف أعداد كبيرة من المصاحف وتمزيقها أو إلقائها على الأرض والتعامل معها بطريقة مهينة، في سلوك يستفز مشاعر المسلمين جميعاً، ويعكس استخفافاً واضحاً بحرمة كتاب الله وقدسيته.

بالنسبة للأسير الفلسطيني، فإن المصحف ليس مجرد كتاب، بل هو رفيق سنوات الاعتقال، ومعلمه، ووسيلته لتزكية النفس ومقاومة العزلة واليأس.

منع الصلاة الجماعية… استهداف للوحدة

حرص الاحتلال على منع الأسرى من أداء الصلاة جماعة، من خلال عزلهم، أو اقتحام الأقسام وقت الصلاة، أو معاقبة من يحاول إقامة الجماعة.

ولأن الصلاة الجماعية لا تمثل عبادة فردية فحسب، بل تجسد روح التضامن والتآزر بين الأسرى، فإن استهدافها يهدف إلى تفكيك وحدتهم وكسر الروابط الإنسانية والإيمانية التي تمنحهم القوة على الصمود.

إسكات الأذان… محاولة لإخماد الهوية

امتدت الإجراءات إلى منع رفع الأذان داخل الأقسام، رغم أنه كان على مدار سنوات وسيلة طبيعية لتنظيم أوقات الصلاة وإحياء الشعائر الإسلامية داخل السجون.

إن منع الأذان لا يقتصر على إسكات صوت المؤذن، بل يحمل رسالة تستهدف محو المظاهر الدينية وإضعاف الارتباط الروحي للأسرى بعقيدتهم.

مصادرة الساعات… حرمان من معرفة أوقات العبادة

صادرت إدارات السجون الساعات الشخصية ومنعت وجودها داخل الزنازين، الأمر الذي جعل الأسرى غير قادرين على معرفة مواقيت الصلاة أو موعد الإفطار والسحور خلال شهر رمضان.

وقد اضطر كثير من الأسرى إلى الاعتماد على تقدير ضوء الشمس أو أصوات السجون أو التخمين لمعرفة دخول الوقت، وهو ما أضاف معاناة جديدة إلى حياتهم اليومية، وفرض عليهم صعوبات كبيرة في أداء العبادات على الوجه الصحيح.

الإساءة إلى الذات الإلهية والرسول ﷺ

من أخطر ما وثقته شهادات الأسرى تعرضهم لسماع عبارات تتضمن سب الذات الإلهية والإساءة إلى النبي محمد صلى الله عليه وسلم على أيدي بعض السجانين أثناء الاقتحامات أو التفتيش أو الاعتداءات.

ولا يمكن النظر إلى هذه الأفعال باعتبارها تجاوزات فردية فقط، بل هي اعتداء على كرامة الأسرى ومعتقداتهم، واستفزاز متعمد لمشاعرهم الدينية بهدف دفعهم إلى الانفعال أو كسر معنوياتهم.

أشكال أخرى من الاستهداف الديني

ولا تقف سياسة الاستهداف عند هذه الممارسات، بل تشمل أيضاً:

* منع حلقات حفظ القرآن الكريم والدروس الدينية.
* مصادرة الكتب الإسلامية وكتب التفسير والفقه والسيرة.
* منع الاحتفال بالمناسبات الدينية كشهر رمضان وعيدي الفطر والأضحى.
* اقتحام الزنازين أثناء الصلاة وتعمد مقاطعة الأسرى خلال عبادتهم.
* معاقبة الأسرى الذين يرفعون أصواتهم بالدعاء أو الذكر.
* التضييق على صيام الأسرى عبر تأخير أو تقليل وجبات السحور والإفطار، أو تقديم الطعام في أوقات لا تتناسب مع الشعائر الدينية.
* استخدام التفتيش المفاجئ خلال أوقات العبادة لإرباك الأسرى ومنعهم من إتمام صلاتهم.

آثار نفسية وروحية عميقة

يترك هذا الاستهداف آثاراً تتجاوز الحرمان من ممارسة الشعائر، إذ يسعى إلى ضرب الركيزة الأساسية التي يستند إليها الأسير في مواجهة سنوات الاعتقال.

فالقرآن الكريم، والصلاة، والذكر، والدعاء، تمثل بالنسبة للأسير وسائل للمقاومة النفسية، ومصادر للأمل والثبات. وعندما يُحرم منها أو تُهان مقدساته أمامه، يشعر بأنه مستهدف في عقيدته وهويته، لا في حريته فقط.

ورغم ذلك، فإن كثيراً من شهادات الأسرى تؤكد أن هذه السياسات لم تنجح في انتزاع إيمانهم، بل زادتهم تمسكاً بدينهم، وأوجدت بينهم صوراً لافتة من التكافل؛ فكانوا يتناقلون ما يحفظونه من القرآن عن ظهر قلب، ويتعاونون في تقدير أوقات الصلاة، ويبتكرون وسائل للحفاظ على شعائرهم رغم القيود.

مخالفة صريحة للشرائع السماوية والقوانين الدولية

تجمع الشرائع السماوية على احترام حرية العبادة وصيانة المقدسات، وتحرم الاعتداء على دور العبادة أو الكتب المقدسة أو المعتقدات الدينية.

كما أن القانون الدولي الإنساني يكفل للأشخاص المحرومين من حريتهم حقهم في ممارسة شعائرهم الدينية. وتنص اتفاقية جنيف الرابعة على وجوب احترام معتقدات المعتقلين وممارسة عباداتهم، كما تؤكد قواعد الأمم المتحدة النموذجية الدنيا لمعاملة السجناء (قواعد نيلسون مانديلا) ضرورة تمكين السجناء من ممارسة شعائرهم الدينية والحصول على الكتب المقدسة والتواصل مع رجال الدين دون تمييز.

وعليه، فإن مصادرة المصاحف، ومنع الصلاة، وإهانة المقدسات، والاعتداء على الحرية الدينية، تمثل انتهاكات جسيمة تتعارض مع الالتزامات القانونية والأخلاقية التي تفرضها المواثيق الدولية على سلطات الاحتجاز.

مسؤولية المجتمع الدولي

إن الصمت على هذه الانتهاكات يشجع على استمرارها، ويمنح مرتكبيها شعوراً بالإفلات من العقاب. ومن هنا تبرز مسؤولية الأمم المتحدة، واللجنة الدولية للصليب الأحمر، والمؤسسات الحقوقية، والدول الأطراف في اتفاقيات جنيف، في التحرك الجاد لوقف هذا الاستهداف الديني، وضمان احترام حقوق الأسرى الفلسطينيين في ممارسة شعائرهم بحرية وكرامة.

فالحرية الدينية ليست امتيازاً يمنح للسجين متى شاء السجان، وإنما حق أصيل لا يسقط بالاعتقال، ولا يجوز المساس به تحت أي ظرف.

إن استهداف عقيدة الأسير هو محاولة لاستهداف إنسانيته، غير أن تجارب الأسرى الفلسطينيين أثبتت على الدوام أن الإيمان كان، وسيبقى، أحد أهم مصادر صمودهم في مواجهة السجن والقهر، وأن الجدران مهما اشتدت قسوتها، تعجز عن حبس الروح المؤمنة أو إطفاء نور العقيدة.

 

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا