السكة – محطة المقالات – ثامر سباعنه
لم تعد قضية الأسرى الفلسطينيين في سجون كيان الاحتلال مجرد ملف أمني أو حقوقي، بل أصبحت بصورة متزايدة مادة سياسية وإعلامية يجري توظيفها في الصراع الداخلي، خصوصاً مع اقتراب انتخابات الكنيست.
وفي قلب هذا المشهد يقف وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير، الذي جعل من تشديد الإجراءات بحق الأسرى واحدة من أبرز أدوات خطابه السياسي، محاولاً تقديم نفسه أمام الجمهور اليميني بوصفه السياسي الذي لا يتردد في تحويل السجون إلى مساحة لاستعراض القوة والانتقام.
وهنا تبرز القضية الأخطر: حين يصبح الأسير الفلسطيني مادة في حملة انتخابية، يصبح جسده وكرامته وحقوقه الإنسانية جزءاً من حسابات صندوق الاقتراع.
من الأسر إلى منصة سياسية
منذ تولي بن غفير مسؤولية وزارة الأمن القومي والإشراف على مصلحة السجون، شهدت أوضاع الأسرى الفلسطينيين تدهوراً حاداً، خصوصاً بعد السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023.
لقد أعلن بن غفير منذ بداية ولايته عن سياسة تقوم على ما سماه إلغاء “امتيازات” الأسرى، وبدأت سلسلة من الإجراءات التي مست ظروف معيشتهم وطعامهم وحقوق الزيارة والمقتنيات الشخصية والحركة داخل الأقسام وغيرها من الحقوق.
لكن الفارق لم يكن فقط في حجم الإجراءات، وإنما في تحويلها إلى خطاب سياسي علني.
فبدلاً من أن تكون إدارة السجون مسألة إدارية تخضع للقانون والرقابة، أصبحت معاناة الأسرى جزءاً من خطاب الوزير أمام جمهوره.
وفي أغسطس/آب 2026، ظهر بن غفير داخل سجن عوفر وهو يخاطب أسيرة فلسطينية اشتكت من سوء الطعام وعدم توفر المياه النظيفة، فرد عليها بأن الطعام “يجب ألا يكون جيداً”، وأن السجن “ليس فندقاً”.
إن مثل هذه المشاهد تحمل رسالة سياسية واضحة للجمهور الذي يخاطبه بن غفير:
انظروا ماذا أفعل بالأسرى الفلسطينيين.
وهنا تتحول معاناة الإنسان الأسير إلى إعلان سياسي.
الأسرى قبل بن غفير وبعده
من المهم التأكيد أن سجون كيان الاحتلال لم تكن قبل بن غفير أماكن تحترم حقوق الأسرى أو تلتزم بصورة كاملة بالقانون الدولي.
فالاعتقال الإداري، والمحاكمات العسكرية، والعزل، والقيود على الزيارات، والإهمال الطبي، وغيرها من أشكال الانتهاك كانت موجودة منذ سنوات طويلة.
لكن وصول بن غفير أحدث تحولاً مهماً في طبيعة الخطاب والسياسة.
قبل بن غفير، كانت سلطات السجون تحاول في كثير من الأحيان تقديم نفسها أمام العالم باعتبارها مؤسسة أمنية تعمل ضمن القانون، حتى وإن كانت الوقائع الميدانية تكشف عن انتهاكات واسعة.
أما في عهد بن غفير، فقد أصبح التضييق على الأسرى نفسه جزءاً من الخطاب السياسي.
لقد أصبح الوزير يتفاخر بالتغييرات التي أدخلها على ظروف الأسرى، ويزور السجون وسط حضور إعلامي، ويقتحم الزنازين، ويوجه التهديدات، ويعلن بصورة صريحة أنه يريد أن يجعل ظروف الاعتقال أكثر قسوة.
وفي فبراير/شباط 2026، اقتحم بن غفير سجن عوفر وهدد الأسرى قبيل شهر رمضان، متفاخراً بالتغييرات التي أدخلها على أوضاع السجون منذ توليه منصبه.
وهذا يعني أن المسألة لم تعد مجرد تشديد أمني.
إنها سياسة تُعرض على الجمهور وتُستخدم لإثبات التشدد السياسي.
الجوع كأداة سياسية
ربما تكشف قضية الطعام حجم التحول أكثر من غيرها.
فالغذاء ليس امتيازاً يمكن للسلطة أن تمنحه أو تسحبه وفق رغبتها، بل هو حق أساسي للإنسان، وحرمان الأسير من الغذاء الكافي أو استخدام الطعام كوسيلة للعقاب يمثل خطراً بالغاً على حياته وكرامته.
وقد تدخل القضاء في كيان الاحتلال نفسه في قضية الغذاء، بعدما اعتبرت المحكمة العليا أن الدولة ملزمة بتوفير غذاء كافٍ للأسرى.
ومع ذلك، استمرت التقارير والشهادات حول معاناة الأسرى من سوء التغذية وفقدان الوزن ونقص الطعام والمياه.
وهنا يصبح السؤال أكبر من كمية الطعام التي تصل إلى زنزانة:
هل يجوز أن يتحول الطعام إلى أداة عقاب؟
وهل يجوز أن يصبح تجويع الأسير وسيلة لإثبات أن الوزير “أكثر قوة” من أسلافه؟
القانون الدولي لا ينظر إلى الأسير باعتباره شخصاً فقد إنسانيته بمجرد دخوله السجن.
فالحرمان من الحرية لا يعني الحرمان من الكرامة الإنسانية.
بن غفير والأسير كمنتج انتخابي
مع اقتراب انتخابات الكنيست، يصبح توظيف قضية الأسرى أكثر خطورة.
فالانتخابات المقبلة تأتي في ظل استقطاب سياسي ومجتمعي حاد، وفي ظل صعود غير مسبوق للخطاب اليميني المتطرف.
وفي مثل هذه البيئة، تصبح لغة “الأمن” و”الانتقام” و”القوة” أدوات انتخابية شديدة الفاعلية.
وهنا يستطيع بن غفير تقديم نفسه للناخب الإسرائيلي بصورة السياسي الذي:
* شدد الخناق على الأسرى.
* ألغى ما يسميه “امتيازاتهم”.
* قلص ظروف معيشتهم.
* واجه المطالب بتخفيف القيود عليهم.
* دفع باتجاه عقوبات أكثر قسوة.
* ورفع سقف الخطاب المتعلق بعقوبة الأسرى.
وفي مارس/آذار 2026، أقر الكنيست قانوناً يتيح إعدام أسرى فلسطينيين، في خطوة شكلت تصعيداً بالغ الخطورة في التعامل مع قضية الأسرى.
وكان حزب بن غفير من أبرز الداعمين لهذا التوجه.
وهكذا يتحول الأسير الفلسطيني من إنسان يقبع خلف القضبان إلى رمز انتخابي يستخدمه السياسي لإثبات تشدده.
سباق على من يقسو أكثر
الخطر الحقيقي أن تتحول الانتخابات إلى سباق بين السياسيين حول سؤال واحد:
من يستطيع أن يجعل حياة الأسير الفلسطيني أكثر قسوة؟
وهذه معادلة سياسية خطيرة للغاية؛ لأنها تنقل حقوق الإنسان من مجال القانون إلى مجال المنافسة الانتخابية.
فإذا كان السياسي يستطيع الحصول على أصوات إضافية من خلال التضييق على الأسرى، فإن الحافز السياسي يصبح باتجاه مزيد من العقوبات، لا باتجاه احترام القانون.
وبهذه الطريقة يتحول السجن إلى مختبر انتخابي، والأسير إلى ورقة في معركة سياسية لا علاقة له بها.
والأخطر أن هذا الخطاب قد يدفع سياسيين آخرين إلى المزايدة، بحيث يصبح كل إجراء جديد ضد الأسرى فرصة لإثبات أن صاحبه أكثر تشدداً من منافسيه.
وهكذا يدخل الأسير في دائرة خطيرة:
اعتقال → تضييق → تصوير إعلامي → دعاية سياسية → مكاسب انتخابية → تضييق جديد.
القانون يصبح جزءاً من المزايدة
لا تتوقف الخطورة عند الإجراءات داخل السجون، بل تمتد إلى التشريعات.
فحين تُطرح قوانين تستهدف الأسرى الفلسطينيين بصورة مباشرة، ويجري تقديمها للجمهور باعتبارها إنجازات سياسية وأمنية، يصبح التشريع نفسه جزءاً من المنافسة السياسية.
وهنا تتراجع فكرة أن القانون وُجد لحماية الإنسان وتنظيم العقوبة، وتحل محلها فكرة خطيرة:
القانون يمكن أن يصبح أداة للانتقام.
وإذا تمكن السياسي من تقديم قانون أكثر قسوة باعتباره انتصاراً انتخابياً، فإن الباب يصبح مفتوحاً أمام المزيد من القوانين التي تنتزع من الأسرى حقوقهم الأساسية.
غياب الرقابة الدولية
الأخطر من كل ذلك أن هذه السياسات تجري في ظل ضعف أدوات الرقابة الدولية والإنسانية.
فمنذ أكتوبر/تشرين الأول 2023، واجهت قضية الزيارات والرقابة الدولية على أوضاع الأسرى الفلسطينيين قيوداً كبيرة، واستمر حرمان أعداد كبيرة من الأسرى من الزيارات.
وفي أغسطس/آب 2026، تحدثت مؤسسات فلسطينية عن تجديد حرمان الأسرى من الزيارات بكافة أشكالها، بالتزامن مع تصعيد بن غفير إجراءاته بحقهم.
وهنا تتضاعف الخطورة.
فالأسير الموجود خلف القضبان يحتاج إلى العالم أكثر من أي وقت آخر، لأنه لا يستطيع تصوير ما يجري، ولا يستطيع مغادرة المكان، ولا يستطيع مخاطبة الرأي العام بحرية.
وعندما تغيب الزيارات، وتضعف الرقابة، وتُقيّد أدوات المتابعة القانونية والإنسانية، يصبح السجن مساحة مغلقة يمكن أن تتسع فيها الانتهاكات بعيداً عن أعين العالم.
الأسير بين غياب الشاهد وغياب المحاسبة
المشكلة لا تكمن فقط في وجود الانتهاكات، وإنما في الشعور المتزايد لدى منفذيها بأنهم يستطيعون الإفلات من المحاسبة.
فعندما يعرف المسؤول أن الإجراءات التي يتخذها ضد الأسرى لن تكلّفه سياسياً، بل قد تمنحه شعبية إضافية لدى جمهور معين، فإن الحافز يصبح باتجاه المزيد من التصعيد.
وهنا يصبح الصمت الدولي أكثر خطورة.
لأن غياب المحاسبة لا يعني فقط عدم معاقبة من ارتكب الانتهاك، وإنما قد يعني تشجيع الآخرين على تكراره.
ولهذا فإن حماية الأسرى ليست مسؤولية فلسطينية فقط، بل هي مسؤولية قانونية وأخلاقية تقع على المجتمع الدولي والدول الأطراف في اتفاقيات جنيف.
الأسير ليس ورقة انتخابية
الأسرى الفلسطينيون ليسوا أرقاماً في استطلاعات الرأي.
وليسوا مادة لتسجيلات دعائية.
وليسوا سلماً يصعد عليه السياسيون إلى البرلمان.
هم بشر.
لهم الحق في الطعام الكافي، والعلاج، والكرامة، والتواصل مع عائلاتهم، والحماية من التعذيب والإهانة، والضمانات القانونية التي يفرضها القانون الدولي.
وحتى لو كان الإنسان متهماً أو مداناً، فإن العقوبة القانونية هي سلب الحرية وفق شروط محددة، وليست إلغاء إنسانيته.
إن تحويل الأسير إلى هدف انتخابي يعني أن السياسة أصبحت أقوى من القانون، وأن الحسابات الحزبية أصبحت قادرة على التحكم في أبسط الحقوق الإنسانية.
مسؤولية العالم
إن استمرار هذه السياسة في ظل ضعف الرقابة الدولية يضع المجتمع الدولي أمام مسؤولية تاريخية.
فالصمت هنا ليس موقفاً محايداً.
وعندما يعرف السياسي أن انتهاك حقوق الأسرى لن يؤدي إلى ضغط حقيقي أو محاسبة أو رقابة مستقلة، فإن الانتهاك يصبح أقل تكلفة سياسياً.
ولهذا فإن المطلوب ليس فقط بيانات الإدانة، وإنما آليات رقابة دولية مستقلة، وضمان الوصول الإنساني والقانوني إلى الأسرى، والتحقيق في ادعاءات التعذيب وسوء المعاملة والإهمال الطبي والتجويع، ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات.
فالقانون الدولي لا يفقد قيمته عندما يدخل الإنسان السجن.
بل ربما تكون قيمة القانون الحقيقية في قدرته على حماية الإنسان عندما يكون في أضعف حالاته.
الخلاصة
لقد أصبح الأسرى الفلسطينيون، في ظل سياسات بن غفير، أكثر من مجرد ملف داخل منظومة السجون.
إنهم اليوم جزء من المشهد السياسي والانتخابي في كيان الاحتلال.
ومع اقتراب الانتخابات، يزداد خطر أن تتحول معاناتهم إلى مادة للمزايدة، وأن يصبح التضييق عليهم وسيلة لإثبات الولاء للتيار اليميني المتشدد.
لكن خلف كل مقطع مصور، وخلف كل تصريح انتخابي، وخلف كل قرار لتقليص الطعام أو الزيارة أو العلاج، يوجد إنسان.
إنسان قد يكون أباً ينتظر أبناءه، أو أماً تنتظر ابنتها، أو شاباً ينتظر لحظة الحرية.
ولهذا فإن المعركة الحقيقية ليست فقط حول ظروف الأسرى داخل السجون، بل حول سؤال أكبر:
هل يبقى القانون أقوى من الانتخابات، أم تصبح الانتخابات مبرراً لانتهاك القانون؟
إن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن يصبح إيذاء الأسير الفلسطيني وسيلة لكسب صوت انتخابي.
وعندما يصل المجتمع إلى مرحلة يُكافأ فيها السياسي على إذلال الأسير، فإن المشكلة لم تعد في السجن وحده؛ بل أصبحت في منظومة سياسية كاملة تسمح بتحويل الإنسان إلى أداة، والألم إلى دعاية، وانتهاك الحقوق إلى رصيد انتخابي.

