الأحد, سبتمبر 6, 2026

الأكثر

الرئيسيةالمحطة الرئيسيةعندما يعيد التاريخ نفسه في شوارع مانهاتن

عندما يعيد التاريخ نفسه في شوارع مانهاتن

السكة – محطة عرب تكساس  كتب : عبدالناصر الحواني

لم تكن شوارع نيويورك يومًا بمعزل عن الصراعات، سواء كانت عرقية أو اجتماعية أو سياسية. في صيف عام 1857، شهد الجزء الجنوبي من مانهاتن واحدة من أعنف موجات الشغب في تاريخ المدينة، عُرفت حينها بـ”شغب الأرانب الميتة”، نسبةً إلى العصابة الإيرلندية الشهيرة التي تصدت لعصابة “فتيان باوري” النativist المعادية للمهاجرين.

قرب ما يُعرف اليوم بساحة فولي، تبادل الطرفان الضربات بالحجارة والزجاجات المحطمة، بينما كانت الشرطة غائبة تمامًا. شاهد عيان من ذلك الزمن تساءل: “لماذا لا تتدخل السلطات؟”

وبعد أكثر من 150 عامًا، بدا أن المشهد يعيد نفسه مساء الأربعاء الماضي، عندما احتشد المئات أمام مكتب مصلحة الهجرة والجمارك الأميركية (ICE) في وسط مانهاتن، للاحتجاج على سياسات إدارة ترامب المشددة بحق المهاجرين، والتي ازدادت قسوتها مؤخرًا لتطاول حتى الكنائس والمدارس ومحاكم المقاطعات.

قال ضابط شرطة يدعى “تشارلي”، وهو يتأمل الحشود:

“لو فكرت بالأمر… ستجد أن شيئًا لم يتغير حقًا خلال قرن ونصف.”

المتظاهرون حملوا لافتات كتب عليها: “عزيزتي آيس، اخرجي من هنا. مع حبنا، نيويورك”، وارتدى بعضهم الأقنعة، وكتب آخرون أرقام هواتف ذويهم على أذرعهم تحسبًا للاعتقال. أحد الضباط المهاجرين من ترينيداد قال إنه رفض ارتداء خوذة الشغب لأن “العتاد التكتيكي يخيف الناس”، مفضلًا الظهور بمظهر “الضابط القريب من المواطنين”.

أما في مقهى “ستاربكس” القريب، فدار حوار رمزي آخر: أحد عمال المقهى قال لشرطي:

“لا أحتج… لا فائدة من ذلك. لماذا أتعرض للضرب لأقول شيئًا لن يسمعه أحد؟”

لكن زبونة مرتدية فستانًا مزهرًا علّقت هامسة:

“أعتقد أن الأمر يصنع فرقًا.”

في الخارج، كان الهتاف الجماعي يملأ المكان:

“لا للكراهية / لا للخوف / آيس غير مرحب بها هنا”،

فيما كانت طائرة مسيّرة تابعة للشرطة تحوم بهدوء فوق رؤوسهم.

“شغب الأرانب الميتة”: جذور الصراع القديم

في عام 1857، كانت مانهاتن تموج بالمهاجرين الأيرلنديين الفقراء الهاربين من مجاعات بلادهم، وسط رفض قاطع من “أبناء البلد” الذين رأوا فيهم خطرًا على وظائفهم وثقافتهم. هذه الاحتكاكات انفجرت على شكل معارك شوارع استمرت ليومين، أسفرت عن عشرات القتلى ومئات الجرحى، وأدت في النهاية إلى إعادة هيكلة جهاز الشرطة في المدينة، الذي كان وقتها ضعيفًا ومنقسمًا سياسيًا.

يرى المؤرخ الأميركي تايلر أنكروم أن “ما يحدث اليوم يعكس امتدادًا لتلك الصراعات القديمة، لكن بأدوات جديدة مثل الطائرات المسيّرة ومواقع التواصل الاجتماعي”. ويضيف في تصريح لـ[اسم الصحيفة]:

“نيويورك كانت ولا تزال مرآة لصراعات أميركا حول الهجرة والهوية، وهذه الاحتجاجات الحديثة تثبت أن جذور هذه الأزمات لم تجف بعد.”

من جهتها، قالت الباحثة في شؤون الهجرة ماريا إلياس إن “التشابه التاريخي ملفت، ليس فقط في المواجهات العنيفة، بل في جو الخوف وانعدام الثقة بين السلطات وسكان المدينة، خاصة المهاجرين”. وأضافت:

“الفرق الوحيد أن التكنولوجيا اليوم تجعل كل شيء مرئيًا ومكشوفًا — من حركة البيتزا قرب البنتاغون، إلى تحليق الدرون فوق رؤوس المحتجين.”

بين الأمس واليوم: من ينتصر؟

رغم اختلاف الزمن والوسائل، يبقى السؤال الأهم: هل تغير شيء في روح المدينة؟

المهاجرون الجدد لا يختلفون كثيرًا عن الأيرلنديين في القرن التاسع عشر؛ فهم يسعون لحياة أفضل، ويواجهون نفس الخوف من الرفض والطرد. أما الدولة، فلا تزال تتأرجح بين الانفتاح والانغلاق، بين الترحيب والخشية من الآخر.

وكما كتب أحد شهود شغب 1857 في مذكراته:

“كانت الشوارع مسرحًا لحرب لم يُعلن عنها… ولا نعرف إن كانت انتهت حقًا.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا