الأحد, سبتمبر 6, 2026

الأكثر

الرئيسيةالمحطة الرئيسيةالحرب الإسرائيلية-الإيرانية بين “الأسد القائم” ونبوءة بلعام

الحرب الإسرائيلية-الإيرانية بين “الأسد القائم” ونبوءة بلعام

السكة – محطة المقالات – كتب تأبط شرا

في خضم التصعيد العسكري غير المسبوق بين إسرائيل وإيران، لفت انتباه المتابعين اختيار القيادة الإسرائيلية اسماً توراتياً لحملتها الهجومية ضد المنشآت الإيرانية، مستوحى من قصة النبي بلعام في سفر “العدد”. لم يكن هذا الاختيار عبثياً ولا لغرض شعاراتي فقط، بل يحمل في طياته دلالات رمزية وسياسية عميقة تسعى إسرائيل من خلالها إلى توظيف اللاهوت التوراتي في خدمة معركتها الإستراتيجية مع طهران.

بلعام… النبي الذي فشل في لعن إسرائيل

يعود أصل القصة إلى سفر “العدد” الإصحاح 23، حيث يظهر الملك بَلاق، حاكم مؤاب، وهو قلق من اقتراب بني إسرائيل من حدود بلاده خلال تجوالهم في الصحراء بعد الخروج من مصر. ولكونه عاجزاً عن مواجهتهم عسكرياً، يستدعي الساحر بلعام المعروف بقدرته على اللعن أو البركة، آملاً في أن يصب لعنة على شعب إسرائيل تمنعهم من اجتياح مؤاب.

لكن المخطط يفشل من بدايته؛ إذ يُمنع بلعام من قِبل الإله –حسب الرواية التوراتية– من تنفيذ اللعنة، بل يُجبر على مباركة إسرائيل قائلاً:

“هو ذا شعب كالأسد يقوم، وكأسد ينتصب، لا يضطجع حتى يأكل فريسة ويشرب دم القتلى”

(سفر العدد 23:24)

هذه العبارة تحديداً تم اختيارها لتكون العنوان الرسمي للعملية العسكرية الإسرائيلية ضد إيران: “الأسد القائم” (אוּרֵה אַרִיֵה – The Rising Lion).

لماذا استدعى نتنياهو هذه النبوءة؟

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الذي يُعرف بشغفه باستخدام الرموز التوراتية في خطابه السياسي والعسكري، أراد من هذا الاختيار إرسال رسائل متعددة:

  1. ترسيخ شرعية “المعركة المقدسة”:
    عبر استدعاء نبوءة بلعام، تحاول إسرائيل تصوير صراعها مع إيران ليس كحرب سياسية عادية، بل كجزء من “المصير التاريخي” لشعب مبارك من الرب، لا يمكن لعدوه أن ينتصر عليه، حتى وإن أراد.
  2. إشعار الداخل الإسرائيلي باليقظة والردع:
    “الأسد القائم” هو صورة لقوة لا تنام، تبادر ولا تنتظر الضربة، ولن “يضطجع حتى يأكل فريسته” – رسالة موجهة للرأي العام الإسرائيلي الذي يشعر بالإرهاق بعد شهور من حرب غزة وجبهة لبنان.
  3. رسالة ردع مباشرة لإيران وحلفائها:
    إيران، من وجهة النظر الإسرائيلية، هي “المؤاب الجديد”، العدو الذي يحاول منع إسرائيل من تحقيق مصيرها في المنطقة. اختيار النص التوراتي ينبه طهران إلى أن هذه ليست معركة تكتيكية، بل مواجهة وجودية.
  4. مغازلة تيارات اليمين الديني والإنجيلي في الغرب:
    الخطاب التوراتي يلقى صداه لدى مجموعات دينية داعمة لإسرائيل، خاصة في الولايات المتحدة، حيث يشكل دعم “نبوءات الكتاب المقدس” جزءاً من العقيدة السياسية لبعض التيارات الإنجيلية.

بين النص والتكتيك: إلى أين يقود هذا التوظيف؟

من الناحية العسكرية، إسرائيل تخوض حرب استنزاف مع إيران منذ أسابيع، وسط قلق من طول أمد المعركة وتكاليفها. وبينما تعزز تل أبيب ضرباتها الجوية وتستنزف بطاريات اعتراضها، يبدو أن اللجوء إلى الخطاب التوراتي هو محاولة لرفع الروح المعنوية وتبرير المخاطر.

لكن هذا الخطاب ينطوي على مخاطر مزدوجة:

  • أولاً، المبالغة في الطابع “المصيري” قد تجعل من الصعب على القيادة الإسرائيلية قبول تسويات سياسية لاحقاً، لأن التراجع عن “نبوءة الأسد” سيُفهم كهزيمة رمزية.
  • ثانياً، التصعيد الديني قد يُفسَّر في طهران على أنه إعلان حرب مفتوحة بلا خطوط رجعة، مما يدفع بالمواجهة إلى مستويات أكثر خطورة في الخليج والشرق الأوسط.

خلاصة

إسرائيل اليوم تخوض حربين: حرب عسكرية ضد البنية النووية الإيرانية، وحرب رمزية تستند إلى السرد التوراتي، حيث “الأسد القائم” لن يهدأ قبل أن ينتصر. وبينما تزداد الضربات المتبادلة، تبدو هذه النبوءة القديمة وكأنها وجدت طريقها مجددًا إلى الحاضر، حيث يتداخل الدين بالسياسة بالسلاح.

هل تصمد هذه الرمزية أمام الواقع العسكري والضغوط الدولية؟ أم أن “الأسد القائم” سيجد نفسه مضطرًا للاضطجاع قبل أن يشرب “دم القتلى”؟

بقلم: تأبط شرا

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا