- السكة – المحطة الفلسطينية
في مشهد يُشبه أفلام الرعب، يخوض الفلسطينيون في قطاع غزة معركة يومية محفوفة بالموت من أجل الحصول على لقيمات تسد جوع أسرهم. آلاف يغامرون يوميًا بعبور مناطق عسكرية إسرائيلية للوصول إلى مراكز توزيع الغذاء، وسط إطلاق نار متواصل من الجيش الإسرائيلي، وتحول الطرق إلى ساحة فوضى وكمائن من لصوص يحملون السكاكين.
القليلون يعودون محملين بكيس طحين أو علبة عدس، فيما يعود كثيرون خالي الوفاض، مصابين، أو فاقدين لرفقاء الدرب.
“هذه ليست مساعدة… إنها إذلال وموت”، يقول جميل عطيلة (51 عامًا) من خان يونس، وقد سال الدم من جرح على خده إثر طعنة تلقاها خلال تدافع على المساعدات. وأضاف أن أحد الحراس العاملين لدى شركة “مؤسسة غزة الإنسانية” – وهي شركة خاصة مدعومة من إسرائيل – رشّه بغاز الفلفل، ليخرج في النهاية بلا طعام لـ13 فردًا من أسرته.
“قلبي محطّم. لا أملك شيئًا لأُطعم به أطفالي”، قال باكيًا.
المساعدات… بالنار والدم
بعد حصار غذائي استمر أكثر من عشرة أسابيع، بدأت إسرائيل منذ نحو شهر السماح بدخول كميات محدودة من المساعدات. إلا أن الأمم المتحدة تؤكد أن ما يدخل لا يكفي لدرء خطر المجاعة. القسم الأكبر من هذه المساعدات تسيطر عليه “مؤسسة غزة الإنسانية”، وتوزعها من خلال أربعة مراكز داخل مناطق عسكرية إسرائيلية. أما مساعدات الأمم المتحدة والمنظمات الإغاثية، فتصل ببطء ويجري نهبها أحيانًا من قبل الجوعى.
ووفق وزارة الصحة في غزة، أدى إطلاق النار الإسرائيلي باتجاه الحشود إلى سقوط مئات القتلى والجرحى خلال الأسابيع الماضية.
وقالت أولغا تشيريفكو، المتحدثة باسم مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية التابع للأمم المتحدة (OCHA):
“لا أرى كيف يمكن أن تزداد الأمور سوءًا… لكنها للأسف تزداد كل يوم.”
إسرائيل تقلل من شأن العنف… وتتهم حماس
تزعم إسرائيل أنها لا تطلق سوى “طلقات تحذيرية” على من يقتربون من قواتها قرب مراكز التوزيع. في المقابل، يؤكد شهود عيان فلسطينيون أن إطلاق النار يتم لمنع الناس من الاقتراب قبل فتح المراكز، أو إن هم خرجوا عن الطرق المخصصة. ويتحدثون عن نيران من دبابات، قناصة، طائرات مسيرة، وحتى رشاشات مُركبة على رافعات.
الجيش الإسرائيلي اكتفى بالقول إن “التحركات العسكرية تخضع لمراجعة دائمة”، ويعمل على تحسين إجراءات السلامة، بما يشمل وضع لافتات وسياجات.
أما “مؤسسة غزة الإنسانية” فتنفي حصول إطلاق نار قرب مراكزها، وتقول إن الحوادث تقع خارج أوقات العمل الرسمية. وترى إسرائيل أن هذه المؤسسة الخاصة بديل ضروري عن الأمم المتحدة، التي تتهمها بـ”السماح لحماس بالاستيلاء على المساعدات” – وهي تهمة تنفيها المنظمة الدولية.
بين الرصاص والدهس
من رفح إلى خان يونس، يقطع الآلاف كيلومترات سيرًا للوصول إلى مراكز التوزيع. يقول محمد صقر، أب لثلاثة أطفال، إن المشهد يُشبه “لعبة الحبار” (Squid Game):
“رفع رأسك قد يعني موتك”، قال وهو يصف كيف زحف مع آخرين تحت إطلاق نار من الدبابات.
ويتابع:
“أحد الشبان أصيب في ظهره. اعتقدنا أنه مات، لكنني وجدت نبضه. حملناه لمكان يمكن لسيارة الوصول إليه. بعد دقائق، سمعنا أن المركز فتح… فركض الجميع بجنون.”
السرقة بعد الموت
داخل المراكز، يتدافع الناس وسط أرضٍ ترابية، يركضون بين التلال والصناديق لالتقاط أي شيء. من لم يحالفه الحظ يُحاول سرقة من غادر. صقر يقول إنه مزّق صندوق المساعدات فور حصوله عليه وملأ كيسًا بالعدس، الزيت، الطحين، والجبن، ثم هرب فوق التلال لتفادي اللصوص، مخاطِرًا بأن تطلق عليه القوات الإسرائيلية النار.
“كل شيء يعتمد على مزاج الجنود. إن كانوا في حالة سيئة، سيطلقون النار عليك.”
وتقول هبة جودة إنها رأت مجموعة رجال يهاجمون طفلًا صغيرًا ويسرقون طعامه. كما شاهدت رجلًا مسنًا يُضرب بالسكاكين لأنه رفض التخلي عن طعام أطفاله.
العائلة أولًا… حتى لو مات الأب
عمر الهوبي (43 عامًا) من رفح، خاض التجربة أربع مرات خلال أسبوع. في المرة الأخيرة، نجح بجلب كيس من الطحين وبعض المعكرونة. لكنه يقول إن كثيرًا مما جمعه فسد بسبب الفوضى.
في خيمته بخان يونس، استقبلته زوجته أنوار صالح (32 عامًا) مع أطفاله:
“سنقسم الطعام ليكفي أسبوعًا. لكننا لا نريده أن يذهب مرة أخرى… حياته أغلى من كل شيء.”
لكن الهوبي لا يخفي صدمته مما عاشه:
“لم يعد أحد يرحم أحدًا. الكل يقاتل وحده… لا مكان للإنسانية حين يجوع أطفالك.”
المصدر – أسوشيتد برس

