السكة – محطة عرب تكساس
رغم تحقيق الرئيس الأمريكي دونالد ترامب نصرًا كبيرًا يوم الجمعة أمام المحكمة العليا، والتي قيدت صلاحية القضاة الفيدراليين في إصدار أوامر قضائية وطنية شاملة، فإن المعركة القانونية بشأن محاولته إنهاء مبدأ “الجنسية بالولادة” لا تزال بعيدة عن الحسم.
المدافعون عن حقوق المهاجرين تعهدوا بمواصلة النضال لضمان بقاء الجنسية بالولادة قانونًا ساريًا في البلاد، في مواجهة محاولات الإدارة الجمهورية تقويض أكثر من قرن من السوابق الدستورية والقانونية.
ماذا تعني الجنسية بالولادة؟
يقضي مبدأ الجنسية بالولادة بأن أي شخص يولد على الأراضي الأمريكية يُعتبر تلقائيًا مواطنًا أمريكيًا، بما في ذلك أبناء النساء اللواتي دخلن البلاد بصورة غير قانونية. ويعود هذا المبدأ إلى التعديل الرابع عشر للدستور الأمريكي بعد الحرب الأهلية، بهدف ضمان الجنسية للأمريكيين من أصول أفريقية، بما فيهم العبيد السابقون.
وجاء في نص التعديل:
“كل من وُلد أو تم تجنيسه في الولايات المتحدة وخاضع لولايتها القانونية، يُعتبر مواطنًا للولايات المتحدة.”
وفي عام 1898، أكدت المحكمة العليا هذا المفهوم صراحةً في قضية المواطن وونغ كيم آرك، الذي وُلد في الولايات المتحدة لأبوين صينيين ورفضت السلطات السماح له بالعودة بعد سفره. حكمت المحكمة حينها بأن الحق في الجنسية ينطبق بغض النظر عن الوضع القانوني للأبوين.
ترامب يحاول إلغاء المبدأ الدستوري
في يناير الماضي، وقّع ترامب أمرًا تنفيذيًا يمنع منح الجنسية لأبناء الأشخاص الموجودين في الولايات المتحدة بشكل غير قانوني أو مؤقت، معتبرًا أن هذا الحق يشكّل “عامل جذب” للهجرة غير النظامية. ويركّز ترامب وأنصاره على عبارة “خاضع لولايتها القانونية” في التعديل الرابع عشر، قائلين إن بإمكان الحكومة تفسيرها بما يسمح بحرمان أبناء المهاجرين غير الشرعيين من الجنسية.
لكن عدة قضاة فيدراليين رفضوا هذه المقاربة، وأصدروا أوامر وطنية بوقف تنفيذ قرار ترامب، معتبرين إياه غير دستوري بشكل واضح.
وقال القاضي الفيدرالي جون كوغينور من سياتل:
“أمضيت أكثر من أربعة عقود على المنصة القضائية، ولم أواجه قضية بهذا الوضوح من قبل. هذا أمر غير دستوري بشكل صارخ.”
أما القاضية ديبورا بوردمان من ولاية ماريلاند، فكتبت:
“المحكمة العليا رفضت هذا التفسير مرارًا، ولم تؤيده أي محكمة أمريكية على الإطلاق.”
انتصار إجرائي للإدارة… ولكن
لم تُقر المحكمة العليا بدستورية قرار ترامب، بل ركّزت على مسألة إجرائية تتعلق بمدى صلاحية القضاة الفيدراليين في إصدار أوامر سارية على مستوى البلاد. واعتبرت أن هذه الصلاحيات يجب أن تكون أكثر تقييدًا، وهو ما اعتبرته إدارة ترامب انتصارًا في معركتها للحد من تدخل القضاء في السياسات الرئاسية، وخاصة في ملف الهجرة.
وقالت أستاذة القانون بجامعة لويولا، جيسيكا ليفنسون:
“كان قرارًا استراتيجيًا من إدارة ترامب ألا تطعن في مضمون قرارات القضاة، بل في نطاقها القانوني… ويبدو أنه أتى بنتائج.”
من جهتها، أكدت المدعية العامة بام بوندي أن الإدارة واثقة بأن المحكمة العليا ستدعم في نهاية المطاف مضمون قرار ترامب بشأن الجنسية.
ما الخطوة التالية؟
قامت المحكمة العليا بإعادة القضايا المتعلقة بقرار ترامب إلى المحاكم الدنيا، لإعادة النظر فيها بما يتماشى مع القرار الجديد. ويُمنح القضاة مهلة 30 يومًا لتكييف أوامرهم مع الحكم الجديد، فيما يبقى قرار ترامب التنفيذي معلقًا مؤقتًا.
ومع ذلك، لا تزال هناك إمكانية لتقديم دعاوى جماعية على المستوى الوطني ضد القرار. وبالفعل، بعد ساعات من صدور الحكم، تم رفع دعويين جماعيتين في كل من ماريلاند ونيوهامبشر.
لكن خبراء قانونيين مثل سوزيت مالفو من جامعة واشنطن ولي، يرون أن الحصول على أمر قضائي وطني عبر الدعاوى الجماعية أمر بالغ الصعوبة، بسبب القيود المشددة المفروضة عليها.
وقالت:
“من الخطأ الاعتقاد أن الدعاوى الجماعية هي طريقة سهلة لتجاوز القيود الجديدة… الأمر معقد جدًا.”
أصوات معارضة: “الفوضى قادمة”
في رأي مخالف، حذرت القاضية سونيا سوتومايور في رأيها المعارض، من أن القرار سيؤدي إلى فوضى قانونية. ودعت المحاكم الدنيا للتحرك بسرعة للنظر في الطعون وإصدار قرارات شاملة.
من جهتها، قالت كريش أومارا فيغناراجا، رئيسة منظمة Global Refuge:
“الجنسية بالولادة مبدأ دستوري راسخ منذ أكثر من قرن… بحرمان المحاكم من فرض هذا الحق بشكل موحد، فإن المحكمة العليا تفتح الباب أمام الفوضى والتمييز والخوف.”
خلاصة:
بينما يُنظر إلى الجنسية بالولادة كأحد أعمدة القانون الدستوري الأمريكي، يسعى ترامب إلى تفكيك هذا الأساس عبر بوابة تنفيذية. ورغم أن المحكمة العليا لم تحسم القضية من الناحية الدستورية، فإنها فتحت الباب لمعارك قانونية طويلة ومعقدة في المحاكم الدنيا، ما يُبقي مصير المواليد الجدد في الولايات المتحدة معلّقًا على قرارات متعددة، قد تختلف من ولاية لأخرى

