السكة – المحطة الفلسطينية
ملاحظة المحرر: أنس بابا هو منتج إذاعة NPR في قطاع غزة. تقريره هذا يُعد شهادة نادرة من صحفي من داخل أحد مواقع توزيع الغذاء التي أسّستها الولايات المتحدة وإسرائيل داخل القطاع. بعض الصور والمشاهد في هذا التقرير قد تكون صادمة.
بالقرب من ممر نتساريم – قطاع غزة
ما الذي يتطلبه الحصول على طعام اليوم في غزة؟
إنه مسار محفوف بالمخاطر، خضته بنفسي، وتعرّضت خلاله لإطلاق نار من قوات الاحتلال الإسرائيلي، وتهديد من متعاقدين أميركيين بأسلحتهم الموجهة مباشرة إلى رأسي، وشهدت حشودًا تتقاتل بالسكاكين للحصول على الغذاء، وقطّاع طرق ملثمين ينهبون ما تبقى.
كل ذلك من أجل الوصول إلى موقع تديره “مؤسسة غزة الإنسانية” (GHF)، بدعم من الولايات المتحدة وإسرائيل.
“برنامج الغذاء”.. فخ مميت
منذ بدء هذا البرنامج في 26 مايو، أصيب الآلاف وقتل المئات من الفلسطينيين بنيران الجيش الإسرائيلي خلال محاولاتهم اليائسة للحصول على الطعام، وفقًا لوزارة الصحة بغزة وفِرق طبية دولية عاملة في القطاع. ويعود كثيرون خاليي الوفاض بعد أن تُنهب الإمدادات بسرعة.
الأمم المتحدة تصف هذه المواقع بأنها “مصيدة موت”.
“لماذا أخاطر؟”
فقدتُ ثلث وزني خلال 21 شهرًا من الحرب. الحصار الإسرائيلي على الغذاء والقيود الصارمة على التوزيع دفعوا القطاع إلى حافة المجاعة. الأطفال يموتون جوعًا، والناس باتوا يتكئون على الجدران أثناء سيرهم من شدة الإعياء.
أصبحت وجبتي اليومية الوحيدة هي الخبز اليابس أو بقايا الخضروات. بلغ بي الجوع أنني بدأت أتغذى على قشور البطيخ والبطاطا الفاسدة.
لم يكن أمامي سوى خيار واحد: الذهاب إلى موقع توزيع مؤسسة GHF، رغم أن كل من يذهب إليه معرض للموت.
“نحمل أكياسًا فارغة وسكاكين”
غادرنا غزة ليلاً، أنا وابن عمي، حاملين حقيبة بها ماء وأدوات إسعاف أولي. كان كل شخص تقريبًا يضع كيسًا فارغًا تحت حزامه، وسكينًا في الجهة الأخرى للدفاع عن النفس من اللصوص.
عند اقترابنا من الموقع قرب الساعة 1:30 فجرًا، انتشرت أنباء عن فتح الموقع، فاندفعت الجموع راكضة، ومعها سيارات ودراجات نارية، ودهست بعض المارة تحت عجلاتها.
لكن المفاجأة كانت وجود دبابة إسرائيلية في المكان. لم يُفتح الموقع بعد. بدأ إطلاق النار، وانبطحنا أرضًا. سقط قتلى وجرحى بجوارنا. كان الصوت يملأ المكان: “أخي مات!”، “صديقي مات!”.
“فتح الموقع، فبدأت المعركة على الطعام”
في الثانية فجراً، توقف إطلاق النار. تدافعنا نحو الموقع المخترق، وداس الناس على الجرحى والجثث لبلوغ الطعام. رأيت امرأة أربعينية تمسك سكينين، وتصرخ لحماية ابنها والطعام. لم يعد هناك قانون أو نظام.. فقط قانون الغاب.
“جنود أميركيون وجهاز ليزر على رأسي”
بينما كنت أوثق المشهد بهاتفي، لاحظت أشعة ليزر خضراء على رأسي – أسلحة موجهة من قبل متعاقدين أميركيين خاصين. أحدهم صرخ عبر مكبر صوت بالإنجليزية: “التصوير ممنوع”.
“سُرقت طعامي تحت تهديد السلاح”
بعد أن جمعت بعض الطعام الملطخ بالتراب، واجهتنا مجموعة ملثمة مسلحة بالسكاكين. خيرونا بين إعطائهم نصف ما معنا أو التعرض للأذى. رميت حقيبتي وفررنا.
“عدت بكيس طعام… ومستشفى مليء بالجثث”
في الساعة 4:30 فجراً، وصلت إلى مستشفى “العودة”. أكثر من 200 جريح و26 قتيلاً – قُتلوا أثناء محاولتهم جلب طعام لأسرهم. لم تتوفر أكفان بيضاء، فغطيت الجثث بأكياس الطحين التي جلبوها معهم.
“ورغم الموت… الناس لا تملك خيارًا”
رغم الخطر، لا يزال الآلاف يخاطرون يوميًا. الجوع أقوى من الخوف.
الناس في غزة لا تسعى للنجاة فحسب، بل تبحث عن فتات حياة لأطفالها

