السبت, مايو 2, 2026

الأكثر

الرئيسيةمحطة المقالاتتعليق على تقرير: دور ميتا في تضخيم المحتوى الضار خلال الإبادة الجماعية...

تعليق على تقرير: دور ميتا في تضخيم المحتوى الضار خلال الإبادة الجماعية في غزة

السكة – المقالات – ثامر سباعنة

يأتي هذا التقرير الصادر عن مركز “حملة” في لحظة فارقة، حيث تحوّلت منصات التواصل الاجتماعي من مجرد أدوات للتعبير والتواصل، إلى ساحات تتحكم في الوعي الجمعي وتشكل مسار الأحداث على الأرض.

أهمية التقرير تكمن في كشفه مسؤولية شركة ميتا، المالكة لفيسبوك وإنستغرام وواتسآب، عن تسهيل التحريض على الكراهية والإبادة، وفي الوقت ذاته قمع الأصوات الفلسطينية التي حاولت توثيق الجرائم ونقلها للعالم.

منذ السابع من أكتوبر 2023، ومع تصاعد العدوان الإسرائيلي على غزة، تحولت منصات “ميتا” إلى مسرحين متناقضين: الأول مفتوح على مصراعيه للتحريض الإسرائيلي الممنهج على قتل وتجويع وتهجير الفلسطينيين، والثاني مغلق ومقيد أمام أي محاولة فلسطينية لنقل الحقيقة. التقرير يبين أن ميتا لم تكتفِ بالفشل في ضبط المحتوى العنيف باللغة العبرية، بل أسهمت بخوارزمياتها في تضخيم الخطاب الإبادي، من خلال إتاحة الانتشار السريع لوسوم ومنشورات مثل “محو غزة” و”ترانسفير الآن”، التي أعاد تكرارها مسؤولون سياسيون وعسكريون إسرائيليون، بل وحتى وزراء في الحكومة.

الأخطر، كما يشير التقرير، أن هذا التضخيم لم يكن مجرد خلل تقني أو قصور في الرقابة، بل يرقى إلى تواطؤ ممنهج. فالتجارب السابقة في ميانمار ضد الروهينجا وإثيوبيا ضد التيغراي، تظهر أن ميتا كانت على دراية كاملة بخطورة منصاتها حين تفشل في ضبط خطاب الكراهية، ومع ذلك تكرّر السيناريو نفسه في فلسطين. هذه السابقة تجعل من ميتا شركة عابرة للقوميات تتحمل مسؤولية قانونية وأخلاقية، خاصة في ضوء قرارات محكمة العدل الدولية التي شددت على ضرورة منع التحريض العلني على الإبادة الجماعية.

التقرير يعرض أيضًا البعد المزدوج لسياسات ميتا: ففي الوقت الذي تُحذف فيه منشورات فلسطينية لمجرد التعبير عن الحداد أو المطالبة بالعدالة، تبقى منشورات قادة مثل سموتريتش وبن غفير وليبرمان، التي تدعو صراحةً إلى قتل المدنيين أو تهجيرهم، متاحة على المنصة لشهور. هذه المعايير المزدوجة تكشف عن انحياز بنيوي يضع الفلسطينيين في خانة “الخطر” بينما يمنح المحتوى الإسرائيلي حصانة كاملة.

لا يقتصر أثر هذا الانحياز على الفضاء الرقمي فقط، بل يمتد إلى الواقع الميداني. فالتحريض الرقمي يشرعن الجرائم على الأرض، ويغذي عقلية الجنود والمستوطنين الذين يمارسون الاعتداءات اليومية ضد الفلسطينيين. كما أن الرقابة على المحتوى الفلسطيني تحرم الضحايا من فرصة التوثيق والدفاع عن أنفسهم أمام الرأي العام العالمي.

من ناحية أخرى، التقرير لا يكتفي برصد الانتهاكات، بل يضعها ضمن سياق قانوني وتاريخي، مستندًا إلى سوابق نورمبرغ ورواندا، ليؤكد أن الإعلام ليس بريئًا حين يتحول إلى أداة إبادة. هنا تتضح القيمة الكبرى للتقرير: فهو لا يتعامل مع ميتا كشركة تقنية فقط، بل كفاعل سياسي–أمني يشارك في صناعة الإبادة أو على الأقل يتيح وقوعها.

إن ما يطرحه التقرير يعيد إلى الواجهة النقاش حول المساءلة الدولية للشركات العملاقة. فشركات مثل ميتا لم تعد خارج نطاق القانون، بل تقع عليها التزامات بموجب مبادئ الأمم المتحدة الموجهة للأعمال وحقوق الإنسان، وكذلك اتفاقية منع جريمة الإبادة. ومع تراكم الأدلة الموثقة، يمكن الدفع باتجاه ملاحقات قانونية وتعويضات، أسوةً بالدعاوى المرفوعة من قبل الروهينجا أو ضحايا إثيوبيا.

في الختام، يكشف التقرير أن المعركة على فلسطين لم تعد محصورة في الميدان العسكري أو السياسي، بل انتقلت بقوة إلى الفضاء الرقمي، حيث تتحكم الخوارزميات في من يُسمع صوته ومن يُقمع. وإذا لم يتم كبح هذا التواطؤ، فإن ميتا ستظل شريكًا مباشرًا في الإبادة الجماعية بحق الفلسطينيين. وعليه، فإن مسؤولية المجتمع المدني، والمؤسسات الدولية، والحكومات، هي دفع باتجاه آليات رقابة مستقلة، ومساءلة قانونية، وضمان ألا تتحول المنصات الرقمية إلى أدوات قتل جماعي مغلفة بـ”حرية التعبير” .

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا