السكة – محطة المقالات – ثامر سباعنة
في مشهدٍ موجعٍ يتكرر في فلسطين، ظهرت أم فلسطينية وهي تحتضن ابنها وتضع جسدها بينه وبين الخطر، في محاولة غريزية لحمايته، وكأنها تقول للعالم: “خذوا روحي واتركوه”. هذا المشهد ليس استثناءً، بل هو صورة مكثفة لواقعٍ يومي تعيشه الأسر الفلسطينية في الضفة الغربية، حيث تتحول الأم من رمز الحنان إلى خط الدفاع الأول.
ما جرى في الفيديو المتداول للام الدكتوره سناء زكارنه مع ابنها الاسير المحرر عزالدين ابو معلا سباعنة، مشهد يعكس حقيقة عميقة؛ فالأم الفلسطينية لا تملك ترف الخوف على نفسها، بل تنشغل فقط بحماية أبنائها وأسرتها ، حتى لو كان الثمن حياتها.
هذا السلوك ليس بطوليًا فقط بالمعنى التقليدي، بل هو ايضاً فعل فطري نابع من أمومة مُحاصرة بالخطر.
ففي لحظة المواجهة، تتلاشى كل الحسابات، وتبقى غريزة واحدة: أن ينجو ابنها.
عز الدين الشاب الذي لازلت أراه طالبا صغيرا بين طلابي الذين علمتهم وكان مثالا للطالب الخلوق الذكي المجتهد، أمضى اكثر من خمس سنوات في سجون الاحتلال رغم صغر سنه، وكان اخرها 3 سنوات من أصعب فترات الاعتقال، تعرض فيها للضرب والتجويع والمرض ، وكل هذا والأم منتظره محتسبه، ليجيء يوم الحريه ويتبعه هذا المشهد المؤلم لكن يحمل في طياته قوه وصمود وتحدي.
لكن خلف هذا المشهد الإنساني المؤثر، تختبئ معاناة أوسع تعيشها العائلات الفلسطينية في الضفة الغربية. فالاقتحامات المتكررة، واعتقال الأطفال، والاعتداءات اليومية، جعلت الحياة حالة ترقب دائم. وقد وثّقت تقارير حديثة حوادث اعتداء على أطفال خلال اقتحامات عسكرية، ما يعكس واقعًا قاسيًا تعيشه الطفولة الفلسطينية.
في هذا السياق، لم تعد الأم مجرد راعية داخل البيت، بل أصبحت شاهدة على الخطر، ومرافقة له في كل تفاصيله. تودّع أبناءها كل صباح وكأنها تودّعهم للمرة الأخيرة، وتنتظر عودتهم بقلقٍ لا ينتهي. وفي كثير من الأحيان، تتحول لحظات الانتظار إلى فاجعة، كما حدث في قصص عديدة لأمهات فقدن أبناءهن أو ظنن أنهم استشهدوا قبل أن يكتشفن أنهم ما زالوا على قيد الحياة .
إن ما يميز التجربة الفلسطينية هو أن المعاناة ليست حادثًا طارئًا، بل حالة مستمرة. فالأم التي تحمي ابنها اليوم، قد تكون نفسها التي تبحث عنه غدًا في مراكز الاحتجاز، أو تنتظره على أبواب السجون، أو تودعه شهيدًا. وبين هذه اللحظات، تتشكل ذاكرة جماعية من الألم والصمود.
ورغم كل ذلك، لا تنكسر هذه الأم. فهي تعيد إنتاج الأمل من قلب الخوف، وتزرع في أبنائها معنى البقاء، حتى في أكثر الظروف قسوة. إن احتضانها لابنها في وجه الخطر ليس مجرد لحظة عاطفية، بل رسالة سياسية وإنسانية تقول إن الحياة في فلسطين تُنتزع انتزاعًا، وإن الأم هي أول من يخوض هذه المعركة.
إن صورة الأم التي تحمي ابنها بجسدها تختصر القضية الفلسطينية بأكملها: شعب أعزل يواجه قوة غاشمة، وأم تحمل في قلبها وطنًا كاملًا، وتحاول أن تُبقيه حيًا في عيون أطفالها.

