السكة – محطة المقالات – ثامر سباعنة
يُعدّ الاعتقال الإداري أحد أبرز أدوات الاحتلال الإسرائيلي في إدارة الصراع مع الشعب الفلسطيني، حيث يُستخدم كسلاح سياسي وأمني لتقييد الحريات وفرض السيطرة بعيدًا عن المعايير القانونية الدولية. هذه السياسة ليست جديدة، لكنها شهدت تصاعدًا ملحوظًا في السنوات الأخيرة، خصوصًا بعد السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023.
ماهية الاعتقال الإداري وأُسسه
الاعتقال الإداري هو احتجاز الأفراد دون توجيه تهم رسمية أو محاكمة عادلة، استنادًا إلى “ملف سري” تدّعي سلطات الاحتلال أنه يحتوي على معلومات أمنية لا يمكن كشفها. مدة الاعتقال عادةً ما تكون من 3 إلى 6 أشهر قابلة للتجديد إلى أجل غير مسمى، ما يجعل المعتقل رهينة قرار جهاز المخابرات الإسرائيلي (الشاباك).
الاعتقال الإداري في ضوء القانون الدولي
من منظور القانون الدولي الإنساني، يُسمح بالاعتقال الإداري في حالات استثنائية ضيقة جدًا تتعلق بضرورات أمنية قاهرة، على أن يكون محدد المدة وخاضعًا للمراجعة القضائية. لكن الاحتلال الإسرائيلي يحوّل هذا الاستثناء إلى قاعدة عامة، في خرق واضح:
•اتفاقية جنيف الرابعة (1949): تمنع الاعتقال التعسفي وتفرض ضمانات قضائية.
•العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية (1966): يكفل الحق في المحاكمة العادلة وعدم الاعتقال دون تهمة.
وبذلك، فإن سياسة الاعتقال الإداري كما تطبقها إسرائيل تُصنّف ضمن الانتهاكات الجسيمة التي ترقى إلى مستوى جريمة حرب.
دوافع الاحتلال للجوء إلى الاعتقال الإداري
يلجأ الاحتلال لهذه الأداة لعدة أسباب:
1.تفادي المحاكمات العلنية: إذ يفتقر في كثير من الأحيان إلى الأدلة التي تبرر اعتقال الفلسطينيين أمام المحاكم.
2.الضغط النفسي والسياسي: يستخدم الاعتقال الإداري كوسيلة لابتزاز المعتقل وعائلته.
3.كسر الفعل النضالي: عبر تعطيل نشاط قيادات المجتمع، الصحفيين، الطلبة، والناشطين السياسيين.
إحصائيات وتطورات
وفقًا لمؤسسات حقوق الأسرى الفلسطينية (2024–2025):
•بلغ عدد المعتقلين الإداريين أكثر من 3500 معتقل، وهو أعلى رقم منذ عام 2003.
•بينهم قرابة 80 امرأة و أكثر من 200 طفل.
•نسبة المعتقلين الإداريين تشكّل نحو 40% من مجموع الأسرى في سجون الاحتلال.
التصاعد بعد السابع من أكتوبر 2023
بعد عملية “طوفان الأقصى”، استخدم الاحتلال الاعتقال الإداري بشكل غير مسبوق:
•شنّ حملات اعتقال واسعة في الضفة الغربية، استهدفت بشكل خاص النشطاء والسياسيين.
•تم تجديد أوامر الاعتقال الإداري لمئات الأسرى بشكل متكرر، دون سقف زمني.
•تحوّل الاعتقال الإداري إلى أداة انتقام جماعي في ظل غياب أية محاكمات حقيقية.
النساء والأطفال تحت الاعتقال الإداري
لم يسلم الأطفال والنساء من هذه السياسة:
•الأطفال: يُحرمون من التعليم، ويُحتجزون في ظروف قاسية تؤثر على نموهم النفسي والاجتماعي. بعضهم يُعتقل إداريًا لفترات طويلة دون أي تهم.
•النساء: استُخدم الاعتقال الإداري ضد الأسيرات كأداة لإرهاب المجتمع الفلسطيني وإرسال رسالة ردع. وغالبًا ما يترافق مع الإهمال الطبي والمعاملة المهينة.
خلاصة
الاعتقال الإداري في فلسطين يُمثّل انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي الإنساني، وأداة سياسية بيد الاحتلال لفرض هيمنته وتفكيك النسيج الاجتماعي الفلسطيني. تصاعده بعد السابع من أكتوبر يكشف عن طبيعته العقابية والانتقامية أكثر من كونه أداة أمنية. إن مواجهة هذه السياسة تتطلب ضغطًا دوليًا مستمرًا وملاحقة الاحتلال أمام المحافل القانونية الدولية باعتباره يمارس جريمة اعتقال جماعي بحق شعب بأكمله.