السكة – المحطة الفلسطينية
في وقت تُعلن فيه الولايات المتحدة عن تفاؤلها بقرب التوصل إلى اتفاق ينهي الحرب الإسرائيلية المستمرة على قطاع غزة ويؤدي إلى إطلاق سراح الأسرى، يواصل رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وحلفاؤه اليمينيون الضغط لإفراغ أي تسوية سياسية من مضمونها الفلسطيني.
الاجتماع المرتقب بين نتنياهو والرئيس الأميركي دونالد ترامب في البيت الأبيض، والذي أُضيف إليه مؤتمر صحفي مفاجئ، أثار تكهنات حول احتمال إعلان الإدارة الأميركية عن “اتفاق غزة”. لكن الفلسطينيين أنفسهم، أصحاب الأرض والضحايا الرئيسيون للحرب التي خلّفت آلاف القتلى والجرحى والمشردين، ما زالوا خارج دائرة التمثيل المباشر في أي مناقشات.
خطة أميركية مثيرة للجدل
تقوم الخطة الأميركية المؤلفة من 21 نقطة على وقف الحرب، تشكيل حكومة انتقالية في غزة، وإعادة 48 رهينة إسرائيلياً تحتجزهم الفصائل الفلسطينية. غير أن جوهر الخطة يتجاهل المطالب الوطنية للشعب الفلسطيني في إنهاء الاحتلال ورفع الحصار المستمر منذ 18 عاماً، ويركّز بدلاً من ذلك على نزع سلاح المقاومة الفلسطينية وإعادة تأهيل السلطة الفلسطينية لتدير غزة.
حركة حماس رفضت حتى الآن استلام أي مقترح رسمي، وأكدت أن أي حديث عن تهدئة لا يمكن أن ينجح دون إنهاء العدوان وانسحاب قوات الاحتلال من غزة بالكامل. وقال القيادي حسام بدران إن سلاح المقاومة “ليس ورقة تفاوض، بل حق مشروع للشعب الفلسطيني وفق القانون الدولي في مقاومة الاحتلال”.
تلاعب إسرائيلي وابتزاز داخلي
بينما تسعى واشنطن للحصول على دعم عربي وإسلامي لتسوية ما بعد الحرب، يواصل نتنياهو إدخال تعديلات تهدف إلى تقليص أي دور للسلطة الفلسطينية، والحد من دور قطر كوسيط، مع الإصرار على احتفاظ جيشه بحرية التحرك في قطاع غزة حتى بعد وقف الحرب.
وزير المالية المتطرف بتسلئيل سموتريتش أعلن ما أسماه “الخطوط الحمراء”، التي تضمنت رفض أي وجود للسلطة الفلسطينية في غزة، ورفض أي إشارة إلى دولة فلسطينية مستقبلية، إضافة إلى المطالبة بالسيطرة الإسرائيلية على معبر رفح ومحور فيلادلفيا على الحدود المصرية. كما دعا علناً إلى تفريغ غزة من سكانها عبر فتح الحدود أمام من يرغب بالمغادرة، في تلميح واضح إلى مشروع تهجير جماعي للفلسطينيين.
ضغوط المستوطنين وقلق فلسطيني
قادة المستوطنين بدورهم مارسوا ضغوطاً على نتنياهو لتطبيق السيادة الإسرائيلية على الضفة الغربية المحتلة، مستغلين انشغال العالم بالحرب على غزة. غير أن ترامب أعلن بوضوح أنه لن يسمح بضم الضفة الغربية، في موقف اعتبره المستوطنون خيبة أمل.
هذه المساومات الإسرائيلية – سواء داخل الائتلاف الحاكم أو مع إدارة ترامب – تجري بينما يعيش أكثر من مليوني فلسطيني في غزة كارثة إنسانية، وسط دمار هائل، نزوح جماعي، وغياب أي ضمانات دولية لوقف العدوان.
العائلات الإسرائيلية في الواجهة والفلسطينيون بلا صوت
في المقابل، احتلت معاناة عائلات الرهائن الإسرائيليين صدارة المشهد الإعلامي والسياسي، حيث بعثوا برسالة إلى ترامب ناشدوه فيها الدفع بالاتفاق إلى الأمام وعدم السماح لنتنياهو بـ”تخريبه”.
لكن حقوق الضحايا الفلسطينيين – الذين تجاوز عدد شهدائهم منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023 عشرات الآلاف، مع حصار خانق وحرمان من أبسط مقومات الحياة – لا تجد صدىً في هذه النقاشات، ما يكشف عن خلل جوهري في أي مبادرة لا تنطلق من الاعتراف بالحق الفلسطيني في الحرية وإنهاء الاحتلال.
بينما تحتفي واشنطن بما تسميه “فرصة سلام”، تسعى إسرائيل إلى فرض شروطها الأحادية، من تجريد الفلسطينيين من سلاحهم، إلى حرمانهم من أي مسار نحو الدولة المستقلة. وبهذا، تبدو “صفقة غزة” أشبه بمحاولة لفرض واقع جديد على حساب حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره، أكثر من كونها خطوة حقيقية نحو سلام عادل.

