السكة – المحطة الفلسطينية
في أريحا، حيث تُقام احتفالات بلا معنى وتُرفع اللافتات لمن فقدوا معناها،
يستعد “المناضلون” لاستقبال ناصر القدوة، وكأننا أمام عودة صلاح الدين من المنفى،
بينما الواقع يقول: إننا أمام موظفٍ عاد إلى مكتبه بعد خصمٍ من الراتب.
فجأة، تتحول العودة الإدارية إلى “حدث وطني”،
تُقرع الطبول، وتُوزّع الابتسامات،
وكأن فتح وجدت أخيرًا منقذها المنتظر،
بينما الحقيقة أن الحركة تُعيد تدوير الوجوه، كما يُعاد تدوير النفايات في زمن الشحّ السياسي.
مسرحية العودة: بطلها بلا بطولة
ناصر القدوة لم يعد لأنه انتصر، بل لأنه اعتذر.
عاد لا على أكتاف الجماهير، بل تحت أقدام اللجنة.
عاد بخطابٍ يطلب الصفح من سلطةٍ لا تَصفح إلا لمن انحنى،
ومنظومةٍ ترفع من يخضع وتُقصي من يفكّر.
أما فتح، تلك الحركة التي كانت ذات يوم “أم الجماهير”،
فصارت أرملة الثورة التي تتجمّل بالمكياج أمام المرايا لتقنع نفسها أنها ما زالت شابة.
قبلت بعودة القدوة كما يقبل الغريق بقشة،
بحثًا عن “رمز نظيف” يلمّع صورة غارقة بالفساد والشيكات والتصاريح.
القدوة… يعود إلى مقعد بلا مقود
القدوة يعود اليوم بلا أدوات، بلا نفوذ، بلا فكرة.
الزمن تجاوزه، واللجنة المركزية تحوّلت إلى نادٍ للمتقاعدين السياسيين الذين ينتظرون دورهم في وراثة الكرسي.
المواقع التي كان يحلم بها صارت محجوزة…
للأقارب، ولأبناء “الثقة”، ولأصحاب “الولاء الأمني الممتاز”.
لقد ضاعت اللحظة التي كان يمكن أن يخرج فيها من ظلّ خاله ياسر عرفات ليصير زعيمًا بذاته،
فهو لم يُولد من رحم الثورة بل من رحم “العائلة”،
ولذلك سيعود ليُصافح الكاميرات لا الجماهير،
وليلتقط صورة تذكارية قبل أن يُعاد إلى المقعد الخلفي في سيارة يقودها “المناضل الدائم” محمود عباس.
هل هو مرشح الرئاسة؟ أم مرشح التزيين؟
في صالونات السياسة الفلسطينية، تُطبخ الأسماء على نارٍ هادئة،
وربما يراهن البعض على القدوة كوجهٍ مقبولٍ أمام العرب والأجانب،
لكنه، في الداخل، لا يملك أكثر من بطاقة تعريف كتب عليها: “ابن أخت الزعيم الراحل”.
الشعب لا يراه قائداً، بل تذكيراً مؤلماً بأن “الثورة تحوّلت إلى عائلة”.
ترشيحه للرئاسة، إن حصل، سيكون مثل اقتراح تعيين تمثال مديرًا عامًا: لائق الشكل، عديم الجدوى.
سيُطرح اسمه فقط حين يحتاجون ورقة “التوازن”،
لا حين يُبحث عن منقذٍ لوطنٍ يغرق بين أيدي نفس العصابة.
فتح… من حركة تحرر إلى فرقة تمثيل
فتح اليوم لا تحتاج إلى ناصر القدوة، بل إلى ناصرٍ جديد،
إلى صوتٍ يصرخ في وجه هذه المنظومة التي تحولت من مشروع وطني إلى شركة فساد تتقاسم الغنائم تحت شعار “الوحدة الوطنية”.
فتح لم تعد حزبًا سياسيًا، بل مؤسسة توظيفٍ كبرى،
توزّع المناصب كالهبات،
وتصرف الرواتب كالمكرمات،
وتُدار كما تُدار الجمعيات الخيرية… ببيروقراطيةٍ مملة، وفسادٍ موروث، وبياناتٍ وطنيةٍ محفوظة على الرف.
في الوقت الذي تُقام فيه مراسم الاحتفال بعودة القدوة،
يقف المواطن في طوابير البنوك ينتظر نصف راتبه،
وتُفتح ملفات فسادٍ في المعابر،
ويُغلق الأفق أمام جيلٍ كاملٍ لا يرى من “السلطة” سوى جواز سفرٍ باهتٍ وتصريح عبورٍ مهين.
فأي نصرٍ هذا الذي تحتفلون به؟
وأي حركة تحررٍ هذه التي تحتاج إلى “استعراض عودة” لتقنع نفسها بأنها ما زالت على قيد الحياة؟
حين يعود الظلّ إلى الظل
ناصر القدوة يعود اليوم إلى “فتح” التي لم تعد فتح،
إلى سلطةٍ أكلت أولادها، ثم شربت على دمهم القهوة.
يعود لا لقيادة العاصفة، بل للاحتماء من رذاذها.
بابتسامةٍ متعبة، وبعينين تعرفان أن الضوء لم يعد يسكن هذا البيت.
فتح اليوم هي الظلّ نفسه،
ظلّ حركةٍ فقدت البوصلة،
وسلطةٍ فقدت الحياء،
وزمرةٍ تتقن فنّ الكلام عن “الوطن” بينما تسرق ما تبقّى منه.
فعودتك يا ناصر ليست إلى الضوء،
بل إلى العتمة التي صارت النظام العام.
عدتَ لا لتقود فتح، بل لتشهد على جنازتها،
جنازة حركةٍ دفنها أبناؤها بأيديهم،
ورفعوا على قبرها شعارهم الخالد:
“نحن السلطة… ومن يعارضنا عدوّ الوطن.

