السكة – محطة المقالات – كتب تأبط شراً
ما كان من المفترض أن تولد السلطة الفلسطينية من رحم النضال، فإذا بها تولد من رحم الاتفاق، وتعيش على الحليب الصناعي للمساعدات الأجنبية. سلطةٌ تشبه موظفًا نسيَ أنه موظف عند الاحتلال، فظنّ نفسه رئيسًا على دولةٍ لا وجود لها إلا في نشرات الأخبار ومؤتمرات المانحين.
يا سادة، هذه ليست سلطة وطنية، بل فرع محليّ لإدارة الاحتلال.
سلطةٌ تُراسل منسق الأمن الإسرائيلي أكثر مما تراسل الأمم المتحدة، وتنسق الدوريات في جنين بدقة تفوق تنسيق المساعدات في غزة.
سلطةٌ ترفع علم فلسطين في النهار، وتضع التوقيع تحت الطاولة في الليل، ثم تسأل الشعب صباحًا: لماذا لا تصفقون لنا؟
منظمة التحرير التي كانت يومًا بوابة الحرية، تحولت إلى واجهة ديكور تُستخدم لتزيين التنازلات.
فتح، التي كانت تشعل الأرض نارًا، أصبحت تجمع التواقيع في المقاطعة وتوزّع الولاءات في كواليس الرواتب.
الثوار الذين حملوا البنادق صاروا يحملون البطاقات الزرقاء.
والنظام الذي وُلد ليقاتل الاحتلال، يقاتل اليوم من يرفض الاحتلال.
حتى الفساد في هذه السلطة له نكهة وطنية خاصة:
السرقة تُسمى “تسهيل معاملات”، والواسطة “تقدير كفاءات”، والتنازل “واقعية سياسية”، والتنسيق الأمني “مصلحة وطنية عليا”.
هكذا يصبح كل شيء له عنوان محترم، وكل خطيئة تملك تصريحًا رسميًا.
أما غزة، فكانت الضحية المفضلة.
حوصرت مرتين: مرة بصواريخ الاحتلال، ومرة بقرارات السلطة التي لم تترك للناس سوى الهواء ليقتسموه بالبطاقات التموينية.
في الوقت الذي كانت فيه غزة تُقصف، كانت بيانات المقاطعة تُصاغ بعناية لغوية مدهشة: “نستنكر، نتابع، ندين، ونواصل جهودنا بالتنسيق الكامل”.
يا لروعة الانسجام بين الجملة والمأساة!
خمسة عشر عامًا بلا انتخابات، بلا تجديد، بلا مساءلة.
نظامٌ معلق بين السماء والأرض، لا يريد أن يرحل ولا يستطيع أن يحكم، يمدّ عمره من أنفاس الناس الذين أنهكهم الانتظار.
وحين يسأل أحدهم: “أين الديمقراطية؟”
تأتي الإجابة الجاهزة: “الديمقراطية مؤجلة… حفاظًا على المصلحة العليا للوطن!”
أي وطن هذا الذي تُحمى مصلحته من أهله؟!
إن “الإنجازات” التي يتغنون بها تشبه النكات الرديئة:
- تنسيق أمني حتى النخاع.
- انقسام دائم تحت شعار الوحدة.
- اقتصاد قائم على القروض والرواتب الوهمية.
- مؤسسات تُدار بالعلاقات العائلية.
- واحتلال ينام مرتاحًا لأن “السلطة تقوم بالواجب”.
يحق لسميح خلف أن يسخر ويقول: “هذا موجز إنجازاتكم”.
فهو موجز طويل بما يكفي ليكتب عليه تاريخ مرحلة كاملة من الضياع المنظم.
مرحلةٌ لم تُهزم فيها فلسطين بالسلاح، بل بالتصاريح وبالمناصب وبالسكوت الطويل.
لقد تحولت الثورة إلى شركة خدمات، والمناضل إلى موظف، والوطن إلى أرشيفٍ يوقّع عليه منسق الاحتلال قبل أن ينام.
أما الشعب… فما زال يُطالب بأبسط الحقوق: أن يحكم نفسه، لا أن يُحكم باسمه

