السكة – المحطة الفلسطينية
لم يعد الفلسطينيون بحاجة إلى استطلاع رأي لمعرفة أن “السلطة الفلسطينية” ماتت سياسيًا منذ زمن، ولم يبقَ منها سوى الجثة الإدارية التي تُدار من مكتب في المقاطعة برعاية المانحين وبأذونات أمنية من تل أبيب.
استطلاع جديد لمعهد أبحاث الأمن القومي بجامعة تل أبيب (INSS) كشف ما يعرفه الشارع منذ سنوات: 84% من الفلسطينيين سئموا من هذه السلطة، و58% يؤيدون المقاومة، والباقي مشغول بانتظار معجزة لا تأتي.
سلطة تُنسّق ولا تُقاتل
تقول السلطة إنها “تحافظ على الاستقرار”، والمقصود طبعًا استقرار الاحتلال لا استقرار المواطن.
كلما صعّد المستوطنون عدوانهم في الضفة، تخرج علينا السلطة ببيان مكرر: “نستنكر، ونحذّر، وندعو المجتمع الدولي” — ثم تنام باطمئنان بعد أن تؤدي واجب الشجب الروتيني.
أما المقاومة، التي تراها الجماهير خط الدفاع الأخير، فصارت في نظر بعض رموز السلطة “مغامرة غير محسوبة”. كأنّ الاحتلال في نظرهم مشروع سياحي يحتاج إلى “تنظيم أفضل”، لا إلى مقاومة!
فساد بطابع رسمي
حين يقول الفلسطيني إن الأولوية اليوم هي الإصلاح ومكافحة الفساد، فإنّ ذلك لا يعني أنه فقد الأمل فحسب، بل فقد حتى الصبر على المشهد الكوميدي الذي تُنتجه بيروقراطية المقاطعة.
منذ ثلاثين عامًا، والسلطة تتحدّث عن بناء مؤسسات شفافة، لكنها في الواقع بنت طبقة منتفعة محصّنة بالرتب والعلاقات.
الفساد هناك لا يُحارب، بل يُرَقّى.
والإخفاق لا يُحاسَب، بل يُكافأ ببعثة دبلوماسية في الخارج.
حرب غزة… والغياب الكبير
خلال حرب غزة الأخيرة، غابت السلطة عن المشهد كليًا. لا حضور ميداني، لا موقف وطني، فقط تصريحات مرتجفة تُحمّل المقاومة مسؤولية الدم الفلسطيني.
الكاتب إسماعيل الريماوي وصفها بدقة حين قال:
“السلطة تبنّت رواية الاحتلال، وساهمت في تشويه المقاومة بدل أن توحّد الصف الفلسطيني.”
لم تكن السلطة في موقع القيادة، بل في موقع التعليق السياسي – مراقب غاضب لأنّ الناس صفقوا للمقاتلين بدلًا من موظفي المقاطعة.
العودة إلى غزة عبر الدولار
الآن، بعد أن توقفت المدافع مؤقتًا، تتحدث السلطة عن “العودة إلى غزة” من بوابة الإعمار.
العودة ليس حبًا في غزة، بل شغفًا في العقود والمناقصات.
تريد أن تُدير أموال المانحين باسم “إعادة البناء”، بينما الشعب يعرف أن البناء الوحيد الذي تتقنه السلطة هو بناء العمارات الوهمية للولاء والطاعة.
خلاصة القول
لم تعد القضية الفلسطينية بحاجة إلى سلطة من ورق، بل إلى قيادة من لحم ودم تعرف معنى التضحية.
أما سلطة اليوم، فهي أقرب إلى مكتب مقاولات يعمل لحساب الاحتلال، يضع شعار “الوطنية” على اللافتة، ويقبض بالدولار مقابل “خدمات أمنية راقية”.
وعندما يسألها الناس: أين الدولة؟
تجيب بابتسامة باردة:
“ننتظر موافقة التنسيق الأمني أولاً.”

