السكة – المحطة الدولية
يبدو أن الياقوت والزمرد والألماس الذي زيَّن تيجان الملوك الفرنسيين قد يختفي إلى الأبد، وفق ما أكده خبراء الثلاثاء، بعد عملية سطو جريئة استغرقت أربع دقائق فقط في وضح النهار، وأصابت فرنسا بالذهول، بينما وجدت الحكومة نفسها في مأزق جديد لتبرير الفشل الأمني في متحف اللوفر.
تضم المسروقات ثماني قطع نفيسة: عقد وأقراط من الزمرد، تاجان، بروشان، عقد من الياقوت، وقرط منفرد – جميعها تمثل قمة فن “الجوهر الفاخر” في القرن التاسع عشر. لكن بالنسبة إلى العائلة المالكة الفرنسية، كانت هذه الجواهر أكثر من مجرد زينة؛ فقد كانت رموزاً سياسية للقوة والثروة والمكانة الثقافية لفرنسا، لدرجة أنها كانت ضمن الكنوز القليلة التي نجت من المزاد الحكومي عام 1887 الذي باع معظم مجوهرات التاج.
قالت لور بيكوا، المدعية العامة في باريس، إن قيمة المجوهرات المسروقة تُقدّر بنحو 102 مليون دولار (88 مليون يورو)، مشيرةً إلى أن هذا التقييم لا يشمل قيمتها التاريخية الفريدة. وأوضحت أن أكثر من 100 محقق يشاركون الآن في مطاردة اللصوص وتتبع الأحجار الكريمة.
عملية السرقة الأخيرة وضعت الحكومة الفرنسية أمام أزمة جديدة في اللوفر، الذي يعاني من الاكتظاظ وتراجع التجهيزات. ففي عام 2024، ألقى ناشطون علبة حساء على لوحة الموناليزا، وفي يونيو الماضي أُغلق المتحف بسبب إضراب موظفيه احتجاجاً على السياحة المفرطة. الرئيس إيمانويل ماكرون أعلن لاحقاً أن الموناليزا ستحصل على قاعة خاصة ضمن خطة ترميم كبرى للمتحف.
“كنوز فرنسا تختفي إلى الأبد”
يعتقد الخبراء أن الجواهر اللامعة التي تعود إلى عصور الملوك الفرنسيين يجري الآن تفكيكها وبيعها سراً كقطع منفصلة، يصعب التعرف على أصلها.
يقول توبياس كورمايند، المدير التنفيذي لشركة 77 Diamonds للمجوهرات الفاخرة:
“من غير المرجح إطلاقاً أن تُستعاد هذه الجواهر أو تُرى مجدداً. إذا تم تفكيكها وبيعها، فستختفي من التاريخ إلى الأبد.”
رموز وطنية مسروقة
تُعد مجوهرات التاج في كل دولة رمزاً للهوية الوطنية، تماماً كما هو الحال في برج لندن أو القصر الإمبراطوري في طوكيو.
في فرنسا، كانت الجواهر محفوظة في قاعة أبولو الشهيرة باللوفر – وهي تحفة فنية بحد ذاتها توصف بأنها “شمس من ذهب وألماس”.
قال وزير الداخلية لوران نونيز إن أكثر من 60 محققاً يطاردون اللصوص الأربعة، الذين انقسموا إلى مجموعتين؛ اثنان كانا داخل شاحنة مزودة بـ رافعة هيدروليكية (Cherry Picker) استخدموها للوصول إلى الطابق العلوي، قبل أن يفرّوا على دراجتين ناريتين.
وقعت السرقة في الساعة 9:34 صباحاً – بعد نصف ساعة من فتح المتحف – وغادر اللصوص القاعة في 9:38 فقط.
قطع لا تُقدَّر بثمن
تشمل القطع المسروقة تاجين ملكيين:
- الأول قدّمه الإمبراطور نابوليون الثالث لزوجته الإمبراطورة أوجيني عام 1853 احتفالاً بزواجهما، ويحتوي على أكثر من 200 لؤلؤة وقرابة 2000 ماسة.
- الثاني تاج من الياقوت والألماس على شكل نجوم، ارتدته من قبل الملكة ماري أميلي وغيرُها من سيدات القصر.
كما سُرق عقد من الزمرد والألماس كان هدية زفاف من نابوليون بونابرت إلى زوجته الثانية ماري لويز النمساوية عام 1810، إضافة إلى أقراط مطابقة.
واختفى أيضاً بروش ديني وقطعة زينة كبيرة للصدر، كلاهما مرصع بالألماس، تعودان إلى الإمبراطورة أوجيني.
أما القطعة التاسعة، وهي تاج من الذهب المرصع بـ1354 ماسة و56 زمردة مزين بنقوش نسرية، فقد تُركت خلفهم بعد أن سقطت وتضررت أثناء الهروب.
ووفقاً للّوفر، بقيت بعض الكنوز الأخرى في مكانها، من بينها ألماسة “الريجنت” الشهيرة – أكبر ماسة بيضاء في أوروبا.
“إهانة وطنية”
قال النائب الفرنسي ماكسيم ميشليه في البرلمان:
“هذه المجوهرات هي تذكارات عائلية للشعب الفرنسي، وسرقتها جرحٌ في كبريائنا الوطني.”
وأضاف أن تاج أوجيني المكسور في الشارع أصبح رمزاً لانحدار أمة كانت ذات يوم محل إعجاب العالم، واصفاً الحادثة بأنها “عار على فرنسا التي عجزت عن حماية أعظم متاحفها.”
سرقة “سينمائية” بلا رومانسية
تُعد هذه السرقة واحدة من أسرع وأجرأ عمليات السطو في تاريخ المتاحف الحديث، واستحضرت إلى الأذهان مشاهد من المسلسل الفرنسي الشهير “لوبين” (Lupin)، الذي تدور قصته حول سرقة تاج ملكي من اللوفر.
لكن المحقق المتخصص في جرائم الفن كريستوفر مارينيللو من مؤسسة Art Recovery International يؤكد أن الحقيقة أقل رومانسية:
“اللصوص لم يعملوا لصالح جامعٍ سريٍّ للفنون. إنهم مجرمون عاديون سرقوا ما وجدوه في متناولهم، واختاروا القاعة الأقرب إلى النافذة، والجواهر التي يسهل تفكيكها وتهريبها وبيعها في السوق السوداء.”
سباق مع الزمن
الآن، تتسابق السلطات الفرنسية مع الوقت لاستعادة الجواهر قبل أن تُفكك وتُباع، بينما يسعى اللصوص لإيجاد مشترين في سوق مشبوهة تحت المراقبة.
ويحذر آرثر براند، أشهر محقق في جرائم الفن الهولندي:
“لا أحد يجرؤ على شراء هذه القطع. إنها مشهورة جداً وخطرة جداً. من يلمسها سيُعتقل عاجلاً أم آجلاً. لا يمكن بيعها… ولا حتى توريثها .

