السكة – المحطة الفلسطينية
لم يعد المتحدث باسم حركة فتح في أوروبا، جمال نزال، مجرّد ناطق رسمي يعبّر عن مواقف السلطة الفلسطينية، بل أصبح ـ من حيث لا يدري ـ دليلًا ناطقًا على عمق الأزمة التي تعيشها السلطة وخطابها المنفصل عن الواقع.
ففي كل مرة يحاول فيها نزال اختبار المزاج الشعبي عبر استطلاع جديد على “فيسبوك”، يجد نفسه في مواجهة مباشرة مع الحقيقة المرة: أن الشارع الفلسطيني لم يعد يصغي، ولم يعد يصدق، ولم يعد يرى في السلطة سوى منظومة فقدت شرعيتها السياسية والأخلاقية.
النتائج تتكرر، والصفعات تأتي من حيث لا يتوقع، والتعليقات تتحول إلى موجة سخرية وانتقاد لاذع لكل ما تمثله المقاطعة من خطاب متآكل.
الاستطلاع الأخير، الذي تناول فيه احتمالات إجراء انتخابات فلسطينية، كشف بوضوح حجم الهوة بين من يتحدثون باسم “الشرعية” ومن يعيشون واقع الاحتلال اليومي.
فبينما يتحدث نزال بلغة الإنشاء السياسي التقليدي، ردّ الناس بلغة التجربة والمعاناة، مؤكدين أن الانتخابات لا معنى لها حين تغيب الثقة، وتُغلق أبواب الأمل، وتستمر السلطة في التمسك بمواقعها رغم الفشل والرفض الشعبي.
لم تكن التعليقات مجرد رفضٍ سياسي، بل كانت إدانة علنية للمنظومة كلها: لفسادها، ولعجزها، ولخطابها المكرر الذي يبرر العجز بالظروف، ويغطي الانفصال بالشعارات.
تحوّلت صفحة نزال إلى مساحة مفتوحة لقياس درجة الانقطاع بين السلطة والناس، حيث يكفي أن ينشر منشورًا جديدًا حتى ينفجر سيل الانتقادات الساخطة، في مشهد بات يختصر أزمة السلطة مع جمهورها.
اللافت أن هذه ليست المرة الأولى. فخلال أسابيع قليلة فقط، نشر نزال أربعة استطلاعات متتالية، جميعها انتهت بالنتيجة ذاتها: الناس لا يثقون، والسلطة لا تفهم.
وما يزيد المشهد قسوة أن هذه الردود لم تأتِ من معارضين تقليديين، بل من مواطنين عاديين ضاقوا ذرعًا بالخطاب المتكلّس الذي لم يعد يرى في الشعب شريكًا، بل متلقّيًا صامتًا لأوامر السلطة وتبريراتها.
إن ما يعيشه نزال على صفحته لا ينفصل عن المشهد الأوسع للسلطة الفلسطينية التي فقدت اتصالها بواقعها الاجتماعي والسياسي.
فخطاب المقاطعة بات أشبه بصدى صوتٍ داخل غرفة مغلقة؛ يكرر ذاته، يسمع نفسه، ويظن أن الشعب ما زال في الخارج ينصت، بينما الحقيقة أن الجمهور قد غادر منذ زمن










